ليست الأمثلة المعتبَرة في العلاقة ما بين الأدب والسينما وفيرة، يصعب إخراج فيلم يكون ممتازاً من رواية تكون كذلك، الأسهل كان دائماً إخراج فيلم ممتاز من رواية عادية، وفي ذلك أمثلة كثيرة لكبار المخرجين ممن لا يعرف أحدنا أن فيلماً لأي منهم، مأخوذة حكايته من رواية غير معروفة لا في عنوانها ولا اسم مؤلفها. أما الأكثر وفرة، فهو إخراج فيلم رديء عن من رواية جيدة.
الأصعب والأكثر ندرة هو توازي الفيلم والرواية بالجودة. أساس ذلك يكون باختيار صانع الفيلم رواية تكون بجودة عالية، ويقرر تحويلها إلى فيلم. هنا، تعلو المعايير ويصعب الرهان في أن يكون الفيلم على سوية الرواية.
فيلم هذه الأسطر، “الحدث” (L’événement) للفرنسية أودري ديوان، كان ضمن النموذج الأخير والأصعب، في نقل رواية للروائية الفرنسية آني إينو، بالعنوان ذاته، مع الحفاظ على حميمية النص الأدبي وفي تلقائية إيرنو التعبيرية، كشكل لغوي ملائم للموضوع السيَري، فالحكاية في الرواية (واسم البطلة في الرواية والفيلم آني) سرد لسيرة ذاتية واجتماعية، تحكي عن هواجس ومخاوف شخصية ونفسية لآني، الطالبة التي تبحث عن مخرج من ورطتها في زمن كان الإجهاض مجرَّماً في فرنسا، فتداخلَ الشخصي بالاجتماعي، موضوعاً، بلغة أقرب للمحكية شكلاً، ما أعطى للنص الأدبي حميمية قد يصعب نقلها إلى الشاشة لما يمكن أن تحمله الصورة والصوت من عناصر تشويشية مقابل الكلمات المقروءة من متلقّيها، بصوته الداخلي، برويّة، متى تعلّق الأمر بالحميمية.
في الفيلم طالبة متفوقة، آني، تقيم علاقة وتحبل، تدخل فوراً في هاجس إتمام دراستها وفي ضرورة التخلص من جنين في أحشائها، لذلك، لكن هذا التخلص لا يمكن أن يساعدها عليه طبيب، فالإجهاض كان في وقتها، ستينيات القرن العشرين، مجرّماً في فرنسا. تحاول مع أكثر من طبيب وتلجأ أخيراً إلى سيدة تقوم بعملية الإجهاض سرّاً، تحاول آني بموازاة كل ذلك أن لا تتأخر في دروسها، وهو ما لا تحققه، فتتراجع، وتتقلص حياتها الاجتماعية، صديقاتها يعرفن بالأمر ويرفضن المساعدة خوفاً مع الإدانة والسجن.
قد لا يكون في القصة ما هو خاص، فتاة تسعى للإجهاض كي تكمل دراستها في بلد يجرّم ما تسعى إليه. لكن قدرة إيصال توتر الفتاة وخوفها، إلى المُشاهد، من خلال لقطات مقربة، وردود فعل لآني في الملامح والجسد والنبرة وكذلك الكلام، في تقابل كل ذلك مع واقع اجتماعي هو ذكوري من ناحية ومحافظ من ناحية أخرى، والحديث هنا عن فرنسا ما قبل ثورة مايو 1968، في كل ذلك كما أوصله الفيلم، ما جعل منه عملاً ممتازاً في شكلٍ لم يكن أقل مستوى من حساسية موضوعه، وفي تحدٍّ أوّلي هو الأصل الذي أُخذت عنه الحكاية، الرواية.
الفيلم الذي نال جوائز أهمها الأسد الذهبي وجائزة النقاد (فيبريتشي) في مهرجان فينيسيا السينمائي العام الماضي، ولاعتماده على رواية أولاً ثم في أن تكون هذه الرواية ذاتية لمؤلفتها ثانياً، تمحورَ، الفيلم، حول بطلته، وقد بُني، من حيث الأداء، عليها، أما محيطها، من صديقاتها إلى عائلتها وأستاذها، كان حضورهم متعلقاً بها، بتفاعلهم معها، وهي متعلقة بهاجس واحد لا تجد مخرجاً له، دراستها وما تعنيه الدراسة من ضرورية الإجهاض.
هذا التعلق الشديد لآني بالدراسة، وهي طالبة أدب، ثم خوضها تجربة الإجهاض المرجحة لأن تودي بحياتها كما قالت لها السيدة التي قامت بالعملية، مرة واثنتين، ومع احتمال تجريمها في إثر ذلك، جعلها، آني، أقرب إلى رغبتها الأولى وقد أدركت أن لا عائق أمام ما تنويه وتقرّره، وهي أن تصبح كاتبة، ما يعيدنا إلى أساس القصة، رواية آني إرنو الذاتية.
الفيلم استجابة سينمائية لائقة لنص أدبي، حافظ أخيراً على حساسية النص وحميميته، منطلقاً، في قصته وتطورها، من دواخل آني، الفتاة الرقيقة بقدر ما هي قوية.
فيلم «الحدث» للفرنسية أودري ديوان… «الإجهاض» بحساسية سينمائية
