اتّخذت مها حاج لنفسها، بفيلمها الروائي الطويل الأول «أمور شخصية»، خطاً منفصلاً متفرّداً عمّا صار يُعرَف بالسينما الفلسطينية، حاملةً جمالياتٍ سينمائية في الشكل وهمومٍ إنسانية في المضمون، مازجةً هذه الجماليات وتلك الهموم بخصوصية فلسطينية، بل محلية نصراوية، معطيةً مثالاً بديعاً على إمكانية التناول السينمائي بمعاييره العالمية، ضمن هذه الخصوصية التي ستكون حيفاوية في فيلمها الجديد «حمّى البحر المتوسط»، هو الفيلم المثبِّت لهذا الخط المتفرد، والرافع من الجماليات والهموم المذكورة، مضيفاً تراكماً نوعياً على آخرَ نوعي. هذا ما سيسمح بالقول: إنّ هنالك ما يمكن تسميته بـ “سينما مها حاج”. أو، على الأقل: إنّ الفيلمين فاتحةٌ لآخر وآخر، ما سيصير يوماً أسلوباً له شكله ومضمونه المتمايزين، يمكن وسمه بـ “سينما مها حاج”، ويُشار إليه بمشاهدة أفلامِ غيرها.
أكملت مها حاج، بنضجٍ في التناول زاد من تركيب الحبكة وحساسية الشخصيات، ما بدأته عام ٢٠١٦ في «أمور شخصية»، بانيةً أسلوباً سينمائاً خاصاً وعالياً في عموم السينما الفلسطينية، تعطي اعتباراتها أساساً إلى شخصياتها. هذا ما نشاهده في «حمى البحر المتوسط»، وهو فيلم اعتمد في حبكته على شخصياته، على مشاغلها وهمومها ومخاوفها، على حالاتها النفسية، على علاقاتها بمحيطها. والحكاية تُبنى، في الأساس، على شخصياتها، بل على العلاقة ما بين هذه الشخصيات (بكلمات جان لوك غودار)، فصوّرت حاج العلاقةَ ما بين الشخصيات، بين الشخصيتين الرئيسيتين تحديداً، وليد وجلال، وهذا ما أعطى الحكاية بعدَها الحميمي والفردي والإنساني، وما أعطى الحبكة وتطورَها الدرامي المتصاعد بحذر وتنبّه، إقناعاً وكذلك تماهياً لدى المُشاهد، ما مكّن حاج من التحكم بهذا الأخير، ومن أسر انتباهه التام، ومن إبكائه في لحظة، فإضحاكه، تماماً، في التالية. هذه، للضرورة، واحدة من مسبّبات جائزة أفضل سيناريو التي نالها الفيلم وقد كتبته حاج، ضمن مسابقة “نظرة ما” في مهرجان كان السينمائي بدورته الخامسة والسبعين.
تشكّلت فرادة الفيلم من إنسانية التناول للشخصيات، من حميميّتها وعوالمها الداخلية، ولم تكن وظيفتها خدمة الحكاية الجاهزة، بل الحكايةُ بعوالمها الخارجية تتحرّك وتتطوّر تبعاً للشخصيات ودواخلها، والحديث هنا عن نفسياتها أو حالاتها السيكولوجية، القصة هنا تصنعها شخصياتها، تصنعها علاقةُ هذه الشخصيات ببعضها، هنا مَكمن الإنسانية في الفيلم، وهنا تكون الكتابة الممتازة بحواراتها.
من هذه الحالة الكونية، تنقل حاج المحلية الفلسطينية بخصوصياتها، من خلال شخصياتها، مدخلةً الخارجي بالداخلي، نسبةً إلى فلسطين كمكان والفلسطينيين كأفراد. تفتح حاج مساحات واسعة في فيلمها من حالة كل من الشخصيّتين النفسية تجاه محيطهما الفلسطيني الثماني وأربعيني الحيفاوي. وتفتح مساحات واسعة في فيلمها كذلك من حالة البلاد في فيلم مثقلٍ بالتاريخ والجغرافيا، تجاه لغة سينمائية إنسانية وجمالية أوصلتها في ثاني فيلم طويل إلى ثاني مشاركة في مهرجان كان السينمائي، في “نظرة ما” (وهذا استثناء، أقلّه عربياً) لتعود بجائزة أقرّت بهذا التركيب والجمال لفيلم فلسطيني لم يتعوّدهما المحكّمون والمشاهدون والنقّاد.
يمرّ الفيلم بهدوء لازمٍ لإدخالنا إلى شخصياته، باطمئنان تتخلّله ضحكاتٌ يقاطعها استيعابٌ لروعة المَحكي، يكاد أحدنا ينهض ليعيد المشهد كمن يعيد مرّات ومرّات مقطعاً من أغنية أسرّت سامعها. يمرّ الفيلم بكادرات بالكاد تتحرّك، مستقرة فلا تشوّش على الحوارات، وهادئة في محتواها الديكوريّ استجابةً لذلك الاستقرار. يمر الفيلم في معظمه معمّراً حبكته قبل أن يتحوّل الاطمئنان والاستقرار إلى خليط من خوف وقلق، وضحك يفرغهما، فيحتار أحدنا أي شعور ينتابه في هذه اللحظة أو تلك، في قدرة تامة لمها حاج في التحكّم بمشاعر المُشاهد، كأنها في تحدٍ دائم بينها وبين نفسها، مع كل مشهد تالٍ، في الإبقاء على تلك السيطرة الدائمة حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم، لتثبت لنفسها قبل غيرها، ربما، أنها امتلكت الفيلم ومعه حواس المشاهدين، على طول مدة العرض. هذه من القمم السينمائية ولا توفّرها سوى كتابة شديدة الذكاء، يليها إخراج شديد الحساسية.
وليد، يحاول كتابة روايته الأولى، ترك وظيفته وتفرّغ لرغبته والاهتمام بالبيت وبابنه، لتقوم زوجته بإعالة البيت. مصابٌ مزمنٌ بالاكتئاب من كل ما حوله (مرض ابنه، التزامات والديه، أخبار بلده…) وتحديداً من عجزه عن التقدم في الكتابة. لا تسعفه جلسات المعالجة النفسية فيتركها. عندها يلتقي بجاره الجديد، جلال، ما يمكن أن يبدو الشخصية النقيضة لوليد، عاطلٌ عن العمل ويعيش على دخل زوجته كذلك، وله علاقات مع جماعات إجرامية محلية. يدرك وليد ذلك ويحاول التقرّب منه، متذرّعاً بحاجته لمعرفة الكثير لأجل روايته التي تدور حول جريمة. تنشأ علاقة صداقة بين الاثنين، وتتطوّر بما لا يمكن أن يتوقعّه أحدنا. ينتهي كل ذلك في ما يمكن أن يكون الخاتمة الأقوى، أو ربع الساعة الأخير الأحلى، في سياقها الدرامي وجماليّتها البصرية، في عموم السينما الفلسطينية. كانت النهاية بمستوى التطوّر العالي للحكاية، كانت ندّاً للحبكة العالية. وذلك كله بأداء بديع لعامر حليحل وأشرف فرح.
بُني الفيلم على الشخصيتين. رجلان مكتئبان، أحدهما يدرك ذلك ويقرّ به والآخر يدركه ويتجاهله، أحدهما يقول إن الجبان هو من يخاف من الموت والآخر يقول بل إنه من يخاف من الحياة. يلتقيان فيكون أحدهما احتمالاً لإزالة اكتئابِ الآخر عنه وخوفِه، وليكون خلاصاً للآخر. السقطة البارعة للحبكة نهاية الفيلم ستحلّ المسائل كلّها. لكن الفيلم، على طوله، كان رؤية امرأة، مُخرجته، تجاه مفاصل في الهشاشة الذكورية، فكلٌّ من وليد وجلال يعيش على دخل زوجته، دون أن يحقّق ذاته بمعزلٍ عمّا يفعله، كلاهما يعجز عن الخروج من قوقعةٍ لا نفع فيها، الأول أمام رواية لا يعرف كيف يخلص منها، والأخير أمام شبكة إجرام لا يعرف كيف ينفد منها. هذه البطالة والهشاشة والارتباكات الذكوريّة، في نموذجين، الروائي والأزعر، وأحدهما انعكاس للآخر في جوهره، اخترقتْه مها حاج بما سمح للفيلم أن يكون حالةً دراسية للشخصيات، وحالةً استكشافية لما يعنيه الاكتئاب، في شكليه لدى كل منهما، وهو استكشافٌ يعيدنا دائماً إلى فلسطينية هذه الشخصيات، كما إلى إنسانيتها وبالدرجة ذاتها.
الوصل بين الفلسطينية والإنسانية تمثّل في صور ثابتة للمدينة، حيفا، واسعةً خاليةً من معالم الاستعمار والعمار الإسرائيلي، كأنّه تثبيتٌ للحالة الإنسانية لا حدود لها ولا قوميات ولا أعراق، في استجابةٍ إلى حالة رهاب الأماكن المغلقة (أو الكلستروفوبيا) الذي يمر به وليد، ونوبة الهلع (أو البانيك أتاك) الذي داهمه، متخللاً اكتئابه ومتعلّقاً باحتلال مدينته. كأن حيفا من أعلى، طمأنةٌ لوليد واستراحةٌ للمُشاهد، من حالة الإغلاق (العنصري بكل الأحوال) الذي يعيشه فلسطينيو الثمانية وأربعين، المصابين، بما هو نظرٌ إلى رهاب وليد، برهاب الأماكن المحتلَّة.
حوارٌ بسيط بين وليد وابنه المصاب بحمى البحر المتوسط، المتوهّم بإصابته كما يبدو فيتفادى حصّة الجغرافيا لأن المعلمة رفضت تصحيحَه لها حين قالت إن القدس عاصمة إسرائيل وصحّح هو “بل فلسطين”، حوارٌ جعل وليد يقول لابنه إنهما سيكلّمان المعلمة ليخبراها بأن القدس عاصمة فلسطين، ويلقّناها درساً في الجغرافيا، بل وفي التاريخ كذلك. هذا الرفض للتزوير التاريخي، يحيل إليه الفيلم فيما يمكن أن يكون تأويلاً لعنوانه في كون إسرائيل مرضاً في شرق المتوسّط حيث تنتشر هذه الحمّى. لا يستعيد هذا الشرق وأهله إنسانيتَهم وحياتَهم العادية بما فيها من هموم، خفيفة كانت أو ثقيلة، كما ظهرت في الفيلم، سوى بتلاشي هذا المرض واختفائه تماماً، تماماً كما كان الإسرائيلي مختفٍ عن السياق الفلسطيني للحكاية المنغمسة في شخصياتها. فلا إسرائيلي في الفيلم الفلسطيني، فقط طبيبة روسية ليست أكيدة مما تفعله، بدت مهاجرة أجنبية أكثر من كونها إسرائيلية، فكانت نموذجاً لنقض إسرائيل في السياق الفلسطيني لا لتثبيتها. وكان الفيلم بحكايته وكل تفاصيلها، صالحاً لزمن ما قبل النكبة، لزمن الفلسطينيين في فلسطين، كأنّ السياق الوطني للفيلم، لم يُلوَّث، ملائماً لإصرار وليد على تسمية “شارع الجبل”، بدل الاسم الصهيوني، فهو اسم ما قبل الاحتلال والاسم اللازم إبقاؤه، كما قال.
للفلسطيني في الفيلم، في تطوّرٍ استتباعي لما كانه في «أمور شخصية»، كينونته الخاصة، مبرّراته الوجودية غير المتعلّقة بالإسرائيلي، ما منحه إنسانيتَه من ناحية ومحليتَه من ناحية ثانية. هنا، لم يكن الإسرائيلي حاضراً، لا في الفيلم ولا في صناعته، فقد جهدت مها حاج لتفادي التمويل الإسرائيلي، على صعوبة ذلك لدى فلسطينيي الثمانية وأربعين. إسرائيل مختفية تماماً هنا، تماماً كأن شرق المتوسط تعافى من مرضه، كأن الحمّى، كما يُفترَض، تختفي مع الزمن، وتُشفى البلاد.
الفيلم، بتماهي التراجيدي بالكوميدي فيه، بتلامس تناقضات شخصياته وحالاتها النفسية، يمثّل المقابلَ السينمائي البارع لعبارةٍ لأنطون تشيخوف تمرّ فيه، “يا له من طقس رائع اليوم! لا أستطيع أن أختار بين شرب الشاي أو الانتحار شنقاً.” عبارةٌ تتمثّل بجانبيها في كل من وليد وجلال، مع استبدال كأس العرق بالشاي.
الكثير يُقال في الفيلم، لكن الكثير كذلك لا يتوجّب قوله لمن لم يشاهده بعد. فزخم الحكاية يَكمن، من ناحية، في الدخول عميقاً في شخصياتها، في استئلاف التناقضات الحساسة في الشخصيتين وفي علاقة كل منها بالأخرى. ويَكمن، من ناحية ثانية، في اللعب على الإثارة والمباغتة والتنقّل في المشاعر بين أطرافها.
الفيلم تحفةٌ منسجمة في شكلها ومضمونها، لمها حاج، بنهاية خلّابة، صوتاً وصورة. هي أفقٌ جديدٌ مفتوحٌ في السينما الفلسطينية وشديد الإنسانية، أو مفتوحٌ في السينما العالمية وشديد الوطنية. هذه الفرادة وهذا الذكاء وتلك الجماليات في الصورة وفي تتالي الصور، وفي الحوارات ومتعة الاستماع إليها، كلّها تعطي إشارات لما سيُسمّى يوماً “سينما مها حاج”.
