1, الأولى
اكتب تعليقُا

مقابلة مفصلة عن رواية «عين الديك» لموقع “ضفة ثالثة”

صدرت مؤخرًا رواية “عين الديك” للروائي الفلسطيني، سليم البيك، عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل في بيروت، وهي الثالثة له بعد “تذكرتان إلى صفورية” (2017)، و”سيناريو” (2019).

البيك، المقيم في باريس، يكتب المقالة الثقافية والنقد السينمائي في “القدس العربي”، ويعمل محرّرًا لمجلة “رمّان” الثقافية.

في رواية “عين الديك” أسئلة نقدية وجودية حول الواقع المفروض على الفلسطيني في رحلة الشتات واللجوء منذ حرب 1948، هي مرايا الذات الإنسانية وانعكاساتها في لحظات ضعفها وقوَّتها. هنا، حوار معه:

هو مزجٌ، تداخلٌ؛ الماضي بخيباته وهزائمه، من انكسار 1948 وحتى الآن. والحاضر بقسوة الشرط السياسي والاقتصادي، وفي الزمنين: سمير وهديل ولويز ضحايا؟

النظرة إلى كون شخصية روائية ما، ضحيةً، يختلف من قراءة لأخرى. لا يهم كثيراً ما يظنه مؤلف الشخصية وحكايتِها، في ذلك، وإن كان لوجهة نظره اعتبار خاص لمعرفته، أكثر من غيره، في ما هو غير مكتوب من حياة الشخصيات، وأقصد بذلك الفرضيات والسياقات التي جالت في ذهنه، خلال كتابة النّص وتأليف أبعاده من شخصيات إلى أمكنة إلى أفكار وحالات وتفاعلات. من ذلك أنطلق لأقول إن شخصياتي الثلاث هذه، سمير ومعه هديل ولويز، ليست ضحايا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، لم أتقصّد أن تكون شخصيتي الرئيسية، وهي التي تعنيني أولاً، سمير، ضحيةً، بل نشهد في الرواية تطوراً لإدراكه لمعنى اغترابه عن فلسطين، تطور يتجادل مع نفسه فيه، فيكون، في نظر نفسه، أحياناً ناجياً، من الكارثتين الفلسطينية والسورية، ثم يتشكك في فرضيته هذه ليجد نفسه على النقيض منها. ولا يكون الناجي ضحية في معناها الأوّلي، لكنه كذلك ضحية متى نجا. مواجهة سمير لحالة الاغتراب التي يعيشها في باريس، كفلسطيني تهجّر جدّه من ترشيحا، في الجليل شمالي فلسطين، وهو تهجّر من مخيّم النيرب في حلب، ومواجهته للحالة التي يعيشها في باريس، وتآلفه معها، مواجهته لاغترابه بإدراكه له، هو نوع من رفض حالة الضحية حتى بكونه ناجياً.

ثمَّة (أنا) مركزية، وسمير يريد أن يحتفظ بالزمنين، فلا يتخلى عن المرأتين لويز وهديل. اهو التناقض بين الذات والموضوع؟

لا أظن أن أياً من المرأتين تمثل ما هو خارجها، لكل منهما كينونتها كامرأة، وتقرُّب سمير من كل منهما، وعلاقته مع كل منهما، كان بحدود ذلك. هذا فيما يخص سمير، لكن لا أظن أن هنالك ما ينفي أي إحالات إلى ما هو خارجهما، هديل الباريسية من أصول فلسطينية والتي تدير غاليري، لويز الباريسية التامة الفنانة التي تبحث عن غاليري لعرض أعمالها. يلتقي سمير بهديل في سهرة عند صديق مشترك ويعود معها إلى بيتها. ويلتقي بلويز في بار كانت فيه لوحدها، ليعود معها كذلك. ما سيلي ذلك من علاقة كل من المرأتين بالأخرى، وبشخصيتين ثانويتين في الرواية، هو مجال اللعب في الرواية وهو ما تمّ تأليفه، وفي ذلك يتداخل الذاتي بالموضوعي، بل إن الذاتي، ولسطوة حضور سمير في الرواية، يشكّل الموضوعي وهو هنا، من ناحية، لويز وهديل، ومن الناحية الأخرى جده وحكايته التي تحوم في أجواء علاقته بالمرأتين. هنا نجد أن سمير يماهي بين الزمنين، زمن النكبة الحاضر، والزمن الراهن الغائب بغياب لويز مرة وهديل مرة، ثم كليهما.

استحوذ على المرأتين، غاص طويلاً بهما، هل ليكسر عزلته، فيصنع ذاته كي لا تفلت منه فلسطينيته كموضوع؟

فلسطينيته، أو هويته الفلسطينية كما هو يراها ويدركها ويبرّرها، دائمة الحضور. لا يعني ذلك أن حضورها مستقر فيه. هي دائمة الحضور لحركتها الجدلية في ذهنه بالعلاقة مع كل ما ومن حوله، بما في ذلك المرأتين. وهذه الحركة هي تساؤلات حول معنى أن يكون فلسطينياً في اغترابه، هو أولاً غريب عن فلسطين بصفتها مكاناً محدّداً، وهو ثانياً يشكّل ألفته مع باريس، المدينة الكوزموبوليت التي لا تتطلّب، بخلاف الأوطان، انتماءات وولاءات وهويات محدّدة. وباريس هذه أتت بكل من هديل ولويز إليه. المرأتان تملآن حياته الباريسية وراهنه وواقعه. قصص جده التي يتشبث بها كأساس لإدراكه معنى انتمائه لفلسطين، لقرية ترشيحا التي لا يعرفها، والتي سيضيع إن وجد نفسه فجأة فيها، قصص جده هذه هي أساس ذاته كفرد وموضوعه كانتماء، وذلك نجده في الرواية متقابلاً مع راهن المرأتين والمدينة، وذلك لا يناقض إدراكَه لفلسطينيته بل يقابله وبالتالي يوضّحه ويعطيه أبعاداً جديدة لا حدود جغرافية ولا قومية فيها.

هديل تدير غاليري لعرض اللوحات في باريس ولويز تريد أن تعرض أعمالها عندها، باختصار سمير كما لو إنَّه يلعب على الحبلين. كيف صالحَ ذاتَه معهما؟

بدأ سمير علاقة مفتوحة مع لويز، وقد التقاها في بار جالسة إلى جواره، دخلا في حديث عادي ومنه طال الحديث وصارا أخيراً في بيتها. بعدها بشهر التقى بهديل في سهرة رآها تقف أمام مكتبة صديقه، من هناك عرف، وقد نبّهه تطريز فلسطيني على ظهر قميصها، أصولها الفلسطينية، وفي مساء اليوم التالي ترك بيتها وكل منهما يتساءل إن كان قد بدأ مع الآخر علاقة جديدة. مع هديل دخل في علاقة متكاملة ومغلقة، أمضى شهراً مع المرأتين إلى أن أخبر لويز بأنّه مع أخرى. يمر عام تلتقي فيه لويز بهديل من خلال صديقه ذاته. هديل بصفتها مديرة غاليري ولويز رسّامة. في زيارة له إلى الغاليري لاصطحاب هديل ليمضيا أمسية معاً، يرى لويز تخرج فرحة لاتفاقها مع هديل على معرضٍ لأعمالها. يحن إليها، يتصل بها، ويعود إلى علاقته المتأرجحة بين المرأتين، إلى أن تراهما هديل معاً، وهذا المشهد الأخير هو بداية الرواية وفصلها الأوّل. مرّ سمير بعلاقة مع كلا المرأتين، مرتين، لكنه لم يكن يلعب في علاقتيه. كان صادقاً مع كل منهما، وكان، خلالها، في مرحلة البحث عمّا يريده، يطرح أسئلة حول كل منهما، يتصرف بتلقائية. يحب كلاً منهما إنّما بشكل مختلف، تنتهي الرواية دون إدراك منه، ومنّي ربما، إلى أي من المرأتين كان يميل أكثر. ثمّ إنّي لا أظن أن السؤال هذا ضروري، كأنّنا بذلك نضع حدوداً للهويات التي محاها في علاقته المزدوجة مع كليهما.

شرق وغرب، ليس صراعاً، في باريس هدأت ثورة سمير، كما لو أنَّه ائتلف مع الغرب؟    

 ألفة سمير هي مع باريس تحديداً، كمدينة يعيش فيها غريباً مع ألفة تامة لهذا الاغتراب. هو ما لم يجده في أمكنة عاش فيها هي حلب وبيروت والمخيم الفلسطيني في كل منهما، وهو ما لا يظن أنّه سيلقاه في أي مكان داخل فلسطين، فهذه الأمكنة كلها تتطلب منه نوعاً من الانتماء، من التماهي مع جماعة كبرى. لا يرى سمير في باريس غرباً. بل إن ألفته مع المدينة وفيها، كان في لاهويّة المدينة، وهي مدينة لا بيضاء ولا سمراء ولا أكثرية فيها. أحكي عنها كحياة يومية مدينية بعيداً عن السياسة. محو الهوية الغربية البيضاء للمدينة وامتلاؤها بالغرباء من كل الهويات، جعلها مدينة بلا هوية ولا لون. المدن الكوزموبوليت تتخطى الهوية الوطنية لدولتها. في باريس التي إن وصلها سمير أمس أو قبل عشر سنوات، سيكون غريباً بالقدر ذاته، كالكثيرين من حوله في شوارعها ومقاهيها. هذه الألفة، يضعها سمير في تقابل مع اغترابه عن أمكنته التي أتى هو أو جده منها.

تعيد إلى الذاكرة بروايتك هذه “عين الديك” موضوع علاقة الشرق بالغرب، أو ذكورة أنوثة كما سمَّاها الناقد والمفكِّر جورج طرابيشي. أم نُسمِّها علاقة الجهل بالعلم؟

ما تطرحه الرواية، من هذه الزاوية وكما أراها، هو علاقة متخطية للشرق/الغرب، هي ما فوقه هذه العلاقة، هي تُقابل عالم الهويّات والحدود والقوميات، تقابلها بإنسانية عابرة للهويات، دون أن يكون ذلك في محوها، فسمير مهووس بحكاية جده وخروجه لا من فلسطين وحسب بس من ترشيحا تحديداً، وسمير في حديثه مع كل من المرأتين ومع نفسه في هواجسه، لا يتخلى عن فلسطينيته إنّما بالمعنى العالمي والمعنوي لهذه الفلسطينية وليس الوطني والمواطني المحدَّد جغرافياً والمحدود ثقافياً. نحن هنا، باعتقادي، أمام عالم تداخل الهويات دون تماهيها، يمثلها ويلحظها مشي ساعة في شوارع باريس، مقابل عالم الهويات المغلقة المدعية اكتمالاتها وانعزالاتها.

طبيعة الرواية أن تذهب إلى الكشف والتعرُّف؛ وأنَّ شخصيتها الرئيسة، أو بطلها، ذهبَ إلى الغرب لاجئاً سيعرِّف بحكاية خروج جدِّه من فلسطين. هل تلكَّأَ؛ قصَّرَ؛ أمِ انهزمَ؟

لم تكن الغاية عند سمير التعريف بحكاية جده للغرب، بل بروايتها دون اعتبار لمن يتلقاها. وذلك آت من رغبته في تسجيل حكاية خروج جده، كحكاية فردية تتراكم مع غيرها لتشكيل السردية الجمعية للشعب الفلسطيني وما حصل معه عام النكبة، ١٩٤٨، لكن سمير يتجادل مع نفسه في سؤال لماذا يتجنب جدُّه، في التسجيلات الصوتية التي أجراها سمير معه، الجزء الخاص بالخروج من البلاد، إذ حكى جده عن المعارك في ترشيحا مع العصابات الصهيونية، وحكى عن الوصول إلى جنوب لبنان، لكن ليس عمّا بينهما. ليست هذه وتلك جزءاً من الرواية التي كتبتُها، فروايتي، «عين الديك»، هي أسئلة سمير وليست الأجوبة ولا موضوع الأسئلة أساساً. حاول سمير كتابة رواية جده، لكنه كلما اقترب منها وجد نفسه جانحاً بعيداً منغمساً في حكايته مع المرأتين. هنالك لدى سمير عجز عن تسجيل رواية جده، وهو انتبه إلى تجنّب جده سرد تجربة الخروج من فلسطين، فلا يريد سمير، لذلك، كتابة ما تجنّب جدّه حكيه. وذاك إدراكاً منه أو افتراضاً منه، لسبب تجنّب جده هذا، هو ما أتى في نهايات الرواية، هو ما هوّن على سمير مسألة تجنّب كتابة تجربة الخروج، وهو ما برّر له العودة دائماً إلى هديل ولويز وحياته الراهنة معهما، وسمير، في حياته هذه، يكمل لجوء جدّه بشتات جديد، بتجوال لا ينتهي في شوارع باريس وبين المرأتين ومعهما.

روايتك بالنسبة لي تثير أسئلة من مثل: هل الغرب يشكِّلُ طوق نجاة للغريب مهما كانت جنسيته، كان مهاجراً أم لاجئاً؟

أبداً. فكرة النجاة أساسية في الرواية، يتساءل سمير ويسائل جدَّه، إن كان ناجياً، هو من سوريا بشكل مباشر، ومن فلسطين بشكل غير مباشر من خلال جده. لكنه، سمير، في تساؤله يذهب بعيداً، مفترضاً ضرورة أن يقابل الناجي ضحيةٌ ما في البلاد، وأنه كي ينجو، لا بد أن توجد تلك الضحية. يطرح الفرضية وينقضها ويرفضها. وهو لا يعيد نجاته إلى الغرب أبداً، بل يشير إلى أن علاقته المتآلفة مع باريس هو لتجردها من أي هوية مفروضة على غربائها الساكنين فيها، وهو لإمكانيته، فيها، المجاورة بين انتماء فلسطيني هو معنوي غير مادي، وبين لاانتماء إلى مكان بحدود جغرافية، ففلسطين التي يرى ذاته منتمياً إليها ليست جغرافيا ولا إثنية. هي فكرة. هي المعنى. هي الأدب. هي الحب. هي علاقتاه بحالاتهما مع هديل ولويز. النجاة لدى سمير، في جزء أساسي منها، هي تآلفه مع مدينة لا يعرف أحداً فيها ولا أحد فيها يعرفه. هو ليس انبهاراً بأوروبا أو باريس، يشير في مكان من الرواية إلى إدراكه لتاريخ استعماري وحشي لفرنسا تجاه الجزائريين ولعنصرية راهنة وحيّة تجاه غير البيض. ألفته التي يحكي عنها هي تجاه المدينة بمعناها المجرّد والمتجرّد من هويتها، هي المدينة التي شكّلها الغرباء بهوياتهم الناقصة والقلقة والمموهة. وجوده في هذا الفضاء، منفرداً منفصلاً عن كل ما حوله، هو ما منحه شعوراً لم يتوقف عن مساءلته لمعنى النجاة، النجاة من الوطن تحديداً.

نشرت في “ضفة ثالثة” في ٧/٦/٢٠٢٢

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.