ليست أفلام الفرنسي ميشيل أزانافيسيوس، القليلة على كل حال، منتظَرة، لكن اختيار فيلمه “اقطع” لافتتاح مهرجان كان السينمائي هذا العام حمّل الفيلم أكثر مما يحتمل. فكان أقل من المتوقع بصفته فيلم افتتاح لهذا المهرجان، الأهم في تاريخ السينما. لكن، لا يعني ذلك أن الفيلم رديء أو يستحق القول أن في مشاهدته إضاعة للوقت. فالفيلم، بمعزل عن عبء كونه فيلم افتتاح، فيلم جيد وذكي ومضحك وساخر.
كي ندرك أكثر هذا القول، أذكُر أن أفلام المخرج هذا ليست بالدرجة الأولى فنية، وأنها تجارية، تُشاهَد في الصالات دون تخطيط مسبق، يمضي خلالها أحدنا وقتاً ممتعاً ويخرج من الصالة دون أن يخرج الفيلم معه عالقاً في ذهنه. استثناء هنا جعل من أزانافيسيوس في مصاف صنّاع الأفلام الفنانين المعنيين بسينما مختلفة عمّا كانت عليه أفلامه السابقة، والحديث هنا عن “الفنان”، فيلمه الذي نال عام 2011 جوائز أهمها السعة الذهبية للمهرجان ذاته، وأوسكار أفضل فيلم. وهذا ليس عادياً أو متكرراً أو مستباحاً، فنقل “الفنانُ” أزانافيسيوسَ من مخرج صالات تجارية إلى مخرج مهرجانات وجوائز، ما أوصل به أخيراً إلى افتتاح مهرجان كان هذا العام بفيلم جيّد.
ويبقى “الفنان” فيلمه الوحيد الذي اجتاح الجوائز في كل العالم، منفصلاً، كأنه حصل بالخطأ، عما سبقه ولحقه من أفلام، تحديداً فيلمه الرديء عام 2017 “المروّع”، أو المريع، الرهيب، المخيف بمعانيه المتداخلة الواصفة لموضوع فيلمه، علاقة المخرج الفرنسي جان لوك غودار بزوجة سابقة له، الواصفة له بالهائل كسينمائي والمرعب كرجل. تلقى الفيلم أخيراً نقداً سلبياً لتواضعه. أما فيلمه الأخير، وقد نزل إلى الصالات الفرنسية بالتزامن مع افتتاحه المهرجان، فكان في الوسط ما بين الفيلمين، وآخر متواضع، عام 2014، عنوانه “البحث”.
“Coupez !”
نبقى في “اقطع” أو “Coupez !”، وقد تغير اسمه أياماً قبل عرضه، بعدما كان العنوان “Z”، وهي علامة يرسمها الجيش الروسي على مدرعاته في اجتياحها أوكرانيا. فكانت مطالبات متشنجة وفي غير محلها، بتغيير العنوان.
بعيداً عن كل ذلك، الفيلم كوميديا ساخرة، ذكية شكلاً ومضموناً. مقسم إلى ثلاثة فصول: الأول هو فيلم داخل الفيلم، هو فيلم قصير اسمه “Z”، كنتيجة نهائية، لما سنشاهده في القسم الثاني من التحضر له، وفي القسم الثالث من تصويره. يشاهد أحدنا الفيلم القصير الذي هو داخل الفيلم، وهو هنا فيلم زومبي يدور حول فريق سينمائي يصور فيلم زومبي فيتحول أعضاؤه من ممثلين وتقنيين إلى زومبيات، هو فيلم لنصف ساعة بدخل منخفض وبإنتاج ياباني، فيلم الدرجة B أو الدرجة الدنيا وهي الأفلام الرخيصة والمبتذلة.
ينتهي النصف ساعة وينتهي بها القسم الأول، لندخل في فيلمنا “اقطع” خارجين، بشكل ما فقط، من فيلم “Z” لنشاهد ما سبق الفيلم، سياقاته وحالة مخرجه وأسرته وبحثه عن الممثلين. ما أعطانا إدراكاًَ إضافياً محيطاً بالفيلم القصير، مضيفاً على ما ظننا أننا كنا ندرك ما نشاهده. القسم الثالث يلحق زمانياً القسم الثاني، وهو عملية تصوير الفيلم، وهذه مسألة تحوم حولها الحبكة في عموم الفيلم، إذ لا بد أن يكون الفيلم القصير مصوّراً بلقطة واحدة، وهذا أساساً ما شاهدناه في النصف ساعة الأول من الفيلم ككل. فندرك، أكثر وأكثر، المشاهد التي كنا، دون أي وعي، ندرك أننا نفهمها في حواراتها وتصرفات ممثليها. في القسم الثالث ندرك أكثر القسم الأول، فالأول كان النتيجة النهائية، الثاني كان الطريق إلى المشروع ككل، الثالث كان عملية تصوير ما سيصير القسم الأول، وما تخلل العملية من إرباكات وخلل ومشاكل واستدراكات، وهذه كلها أتت بالنتيجة النهائية للفيلم الذي صار اسمه “Z”. ونال إعجاب منتجه اليابانية.
هذه الحبكة هي ما جعلتني أقول إن الفيلم ذكي، وطريقة تناوله النقدية والساخرة للأفلام الرخيصة من ناحية وأفلام الزومبي من ناحية ثانية هي ما أتاحت للفيلم أن يكون مضحكاً بشكل شبه متواصل. وأسلوب “الميتافيكشن” أو الفيلم داخل الفيلم داخل الفيلم، فنحن هنا أمام ثلاث طبقات، هي ما جعلت من أحدنا منتبهاً دون أن يشتت ضحكه، أو ضاحكاً دون أن يغامر في السماح لانتباهه بأن يتشتت. وهذه كلها عناصر تجعل من الفيلم مستحقاً المشاهدة، لكنها لا تجعل منه، بالضرورة، فيلماً لافتتاح مهرجان كان السينمائي.
لكنه ليس فريداً في ذلك، ففيلم افتتاح آخر للمهرجان ذاته عام 2019، كان كذلك فيلم زومبي، وكان كذلك ساخراً، وكان كذلك غير جدير بافتتاح المهرجان، وكان كذلك، وهو الأهم، أقل جودةً من معظم أفلام صاحبه (الرائعة)، الأمريكي جيم جارموش.
