1, الأولى
اكتب تعليقُا

الفيلم الفلسطيني بين صانعه وجمهوره… أي علاقة؟

كانت السينما، لطبيعة دورها عموماً، ولخصوصية الحالة الفلسطينية، عنصراً أساسياً لتثبيت صورة الفلسطينيين في أذهانهم قبل أن يكون ذلك أمام أعين المشاهدين. وصوّرت السينما الفلسطينية، منذ الأفلام النضالية في زمن الثورة، الأفراد والمجتمعات الفلسطينية في حالاتها المتنوعة، وفي حساسياتها الوطنية والإنسانية، وفي تفاصيل عيشها إن كان في حكم استعمار استيطاني على كامل التراب الوطني، أو في المخيمات والشتات ومعسكرات الفدائيين. وكان ذلك، دائماً، تَصوّرَ الفلسطينيين لأنفسهم، وتصويرهم لها، فكانت أفلامهم تصبّ في سرديتهم التحررية، المقابلة لسردية الاحتلال وسياساته، والنقيضة لها.

من هنا، من طبيعة السينما في دورها كما استهلّها الفلسطينيون، تأسّست علاقة خاصة بينها وبين جمهورها الفلسطيني، والحديث هنا عن المعني بالأعمال الفنية وليس عموم “الشعب الفلسطيني”، فهو جمهور سياسي بالمعنى الأوّلي، وربما اجتماعي وثقافي قبل أن يكون جمهوراً سينمائياً. ترسّخت هذه العلاقة، تراكمت، وأثّرت، في أشكال عديدة، في طبيعة تلقّي الجمهور الفلسطيني للفيلم الفلسطيني، فكان لهذه الأفلام مقاربات مألوفة آمنة متكررة باهتة، وهي الصورة التي وصلت إليها هذه الأفلام إثر التراكمات، منذ ما بعد العام ألفين. وكان لتزامن ذلك مع بدء الانتفاضة الثانية من ناحية سياقية، ومع انتشار التصوير الرقمي من ناحية تقنية، أثره المضاعَف. فالانتفاضة وطابعها العسكري الحاسم رسمت خطاً يصعب تجاوزه في هذه السينما، وسهولة التصوير واستسهاله أدى إلى النزوع لـ”عدم التجاوز” هذا، فكانت أفلام تناقلت عن بعضها كسلاً (لا) إبداعياً (مع استثناءات قليلة، دائماً). لكن، بعض الأفلام تحاول التحرر من هذه العلاقة التي بُنيت بالتراكم والتكاسل، إنّما، لم يكن تحرراً بقدر ما كان رفضاً غير واعٍ، وتمرّداً سطحياً، وتخطياً ميكانيكياً لتلك العلاقة بشكل جنى على الفيلم وجمهوره، وعلى امتياز فكرة التخطي أساساً.

تُثار، بين فيلم وآخر، مسائل تخرج من سياقها السينمائي لتدخل الحيز العام للفلسطينيين، تتلقفها آراء تتراوح في مدى اهتمامها بالسينما الفلسطينية صناعةً وفناً ومشاهدةً ونقداً، وذلك طبيعي في السياق السياسي والفني الذي يعيشه الفلسطينيون منذ تمرّدوا على حالة الصدمة التي لحقت النكبة، وبدؤوا بثورتهم الإبداعية، أدباً وسينما وفنوناً بكافة أشكالها. فكان الفيلم مادةً سياسية بقدر ما هو مادة فنية، وأيّ توصيف لأي عمل فني بكونه فلسطينياً، هو، ضمناً، توصيف له بكونه سياسياً. فلا يمكن التوقع من جمهور الفيلم الفلسطيني أن لا يكون سياسياً بالدرجة الأولى.

لا يجب الاستنكار ولا الاستكثار على الجمهور الفلسطيني حقه التام في إبداء الرأي والتعليق (سياسياً كما هو ثقافياً وسينمائياً) على أفلام تستمدّ حكاياتها منه، فللجمهور حساسية سبّاقة وتلقائية في مدى تناقض أي فيلم مع الاستعمار وسياساته. وأخذُ صنّاع الأفلام الفلسطينيين لهذه الآراء بعين الاعتبار، ضرورةٌ عضوية في صناعة أفلامهم متى وصّفوها بالفلسطينية، فللجمهور الثقافي الفلسطيني تعود الركيزة الأساسية في تقدير علاقة هذا الفيلم أو ذاك، بسردية شعبه. لكن، وهذا على القدر ذاته من الأهمية، على ألا يتحول الرأي العام إلى أداةٍ لقمع حرية الإبداع والتعبير والحق في الخطأ، ودون أن يصل إلى محاكمات أخلاقية وميدانية متطرّفة، في حق العاملين في الفيلم، مهما كانت أدوارهم فيه. فلا يجب أن تكون المشاهدة السياسية للفيلم (والفيلم الفلسطيني سياسي مهما صَوّر)، حكماً قيَمياً يخوّل صاحبه بممارسة أشد سوءاً، من إساءة الفيلم ذاته، دون أن ننسى أن الإساءة مفهوم نسبي يتفاوت من شخص لآخر. فلا يجوز للجمهور الثقافي أن يقوده جمهور سياسي، ولهذا الأخير اعتبارات تتراوح بين العشائرية والدينية والفصائلية.

تحتاج سرديتنا لتوازن حسّاس، يتحقق بإدراك كل من صنّاع الأفلام والجمهور الثقافي. هو توازن يُبقي للعمل الفني حرية الإبداع التامة، في شكل الفيلم ومضمونه، ويبقي للجمهور حرية التعبير في نقد الفيلم متى تشكّل شعور جمعيّ بتعارض الفيلم مع سردية الشعب الفلسطيني، على أن لا يتحول الرأيُ إلى تحريض وأن لا يتخطى حدود سلميّته. فالجمهور هو الضامن الأول والأمتن لاستمرارية الفنون الفلسطينية ومصداقيتها. لكن أي جمهور؟ من هو الجمهور؟

هذا سؤال لا تنتهي الإجابة عنه مهما تفرعت. ما أقصده هنا، في هذه الأسطر القليلة، هو جمهور المادة الثقافية، روايةً وفيلماً، وعرضاً راقصاً ومسرحياً، وغيرها من أشكال الفنون. فتقييم العمل الفني، سياسياً وثقافياً وجمالياً، لا يجب أن يخضع لفئات من الجماهير لا تشاهد فيلماً سوى للبحث عمّا سمعوه هنا وهناك، من تخطيه لأخلاقيات عامة، وهي لا تتلقى، بل تستهلك لتعطي حكماً أخلاقياً لا ثقافياً/جمالياً/فنياً، بل، وحسب، أخلاقي، فحتى المقاربة السياسية لهذه الأحكام تكون بمنطق “الأخلاق العامة”.

على السوية ذاتها أقول: كما أن الأعمال السينمائية الناقلة للسردية الفلسطينية، للعالم، وبفنّية عالية، تستحق الاحتفاءَ والتكريم النقدي والمؤسساتي والأهلي والشعبي، يحق للمحتفين هؤلاء، كذلك، الإشارة إلى الأعمال المستهينة بضمير الفلسطينيين ومآسيهم المتوزعة زماناً ومكاناً، والمستهينة بحالات إنسانية عاشوها ويعيشونها. مع الحفاظ دائماً أولاً على حق العمل الفني بالتعبير عن ذاته دون منعه، وثانياً على حق المتلقي الفلسطيني بإبداء الرأي بهذا التعبير. ومع اعتبار أساسي لا بد أن يناله كلٌّ من الفيلم والمُشاهد الفلسطينيين، وهو وصول كل منهما للآخر، فلا يكون الجمهور الفلسطيني في الصف الأخير من مشاهدي الفيلم الفلسطيني. بذلك، تقع على صنّاع الأفلام والعاملين في السينما الفلسطينية مسؤولية أخلاقية ووطنية وجمالية على أكثر من مستوى. قد يبدأ ذلك بانحياز صنّاع الأفلام إلى جمهورهم الفلسطيني، والتخفيف من الهوس بالجمهور والمحكّمين والممولين، الأوروبيين البِيض، البرجوازيين، المقَولبين المستشرقين، والذكور في غالبهم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.