يشاهد أحدنا هذه الملحمة اليابانية ويدرك أنّ الملاحم الجماعية في النهاية قصص أفراد، بقدر ما يمثل هؤلاء الأفراد شعباً بكامل تنوعاته. ملحمة الياباني ماساكي كوباياشي المعنوَنة بـ «الظرف الإنساني» (The Human Condition) التي سطّرها بعمل واحد ممتد على ثلاثة أجزاء طويلة، بمدّة إجمالية قاربت عشر ساعات، نقل فيها حكاية أمّة، لكن من خلال فرد تناقض، في مسيرته وأفكاره وحظوظه، المسيَر الحربي والفاشي لليابان قبل الحرب العالمية الثانية (في الجزء الأول) وخلالها (في الثاني) وبعدها (في الأخير). فرد تناقض مع الأمّة في سياقها الفاشي، فأودت محاسنه، لا مساوئه، إلى حتفه.
ترتبط الملاحم سينمائياً، عموماً، بمدّتها، فلا يُقال عن فيلم بساعة ونصف، ملحمة، ودرامياً ترتبط بمآل البطل، فلا تكون الملاحم دون مآسٍ، وهذه الأخيرة ترسم ملامح الحكاية ومآلات شخصياتها، فتكون تراجيديا. ولا تكون الكوميديا ملحمةً. هذه وتلك نجدهما في مستوياتهما الراقية، في هذا العمل العظيم، وهو من بين الأطول في تاريخ السينما. فلسنا أمام ثلاثية لتَتابع حكاية ضمن سياقات متباعدة نوعاً ما، ولا لتوازي الحكايات ضمن ثيمات متماثلة. نحن هنا أمام فيلم واحد متناغم تماماً. الجماليات والسياقات والحبكة فيها كلّها، وتطوراتها، مرتبطة بما لا يمكن فكّه. وقد يكون أساس الفيلم مبعثاً لذلك، وهو رواية واحدة، ملحمية، بالعنوان ذاته، للياباني جنبي غوميكاوا، نشرها أواخر الخمسينيات في ستة أجزاء، قبل إنتاج الفيلم بسنوات قليلة.
ينقل الفيلم حكاية ظلٍّ لليابان في زمن الحرب العالمية، من خلال رجل معارض لسياسات بلده، اسمه كاجي، هو من ناحية، سلميٌّ مناهض للحرب، ومن ناحية ثانية شيوعٌّي يخاف التصريح بذلك. هنا تكمن التراجيديا في حياته، هو مُحارَب في بلده لانحيازاته هذه التي يُعتبَر لأجلها جاسوساً محتملاً وتحت المراقبة، فلا يخفي، وإن بحذر، إعجابه بالجيش الأحمر الياباني، ومن قبله السوڤييتي. هو كذلك محارَب كياباني، من الصينيين والسوڤييت، من يرون فيه عدواً فاشياً. تناقضه المزدوج هذا والمتعلق بالآخرين ونظرتهم إليه وليس به فهو متصالح تماماً مع وطنيته وأمميته، رسم المسار التراجيدي المودي إلى موت هو، في سياقه ومآله، “الظرف الإنساني” الأشد قسوة، نفسياً وجسدياً. هو مآل توحّد فيه كاجي مع طبيعة أهلكه فيها الصقيع والجوع وقد نجا من الحرب ولواحقها، وذلك في طريقه، أخيراً، إلى زوجته التي فرّقته الحرب عنها لسنوات.
في الجزء الأول وعنوانه الفرعي «لا حبّ أعظم» (١٩٥٩) يحاول كاجي المعارض للحرب وكي يبقى مع زوجته وحبيبته، تجنب الاستدعاء إلى الجيش، فقبِل العمل في معسكر لعمّال المناجم الأسرى الصينيين في منطقة نائية، كمشرف عليهم، لكنه يرفق بهم ويلطف، ويقاوم الفساد الإداري، ما يتسبب بارتدادات لدى مسؤوليه، العسكريين تحديداً، في اليابان، الامبراطورية الفاشية ما قبل الحرب، فيضيّقون عليه ويرغمونه على ظروف قاهرة وقاسية. أما في الجزء الثاني وعنوانه الفرعي «الطريق إلى الأبدية» (١٩٥٩) فيتم إرسال كاجي جندياً إلى الجبهة عقاباً لتعاطفه مع العمّال الصينيين. هناك حيث القساوة تتخذ بعداً آخر وقاتماً، تزداد الظروف وحشيةً على كاجي وهو عسكري الآن ومُتّهَم بالإنسانية والشيوعية، أو بأنّه “أحمر” في جيش فاشي يخوض حرباً مع “الحمر”. آخر أجزاء الملحمة وعنوانه الفرعي «صلاة جندي» (١٩٦١) يتناول فترة ما بعد الحرب التي خسرتها اليابان (والنازيون)، إذ يحاول كاجي وفرقته، وقد تاهوا في الغابات، تفادي أسر الجيش السوڤييتي لهم، عائدين إلى بلدهم، مستعيداً هاجسه الأول خلال كل هذه السنوات، وهو عودته سالماً، جسدياً ونفسياً، إلى زوجته بعد سنين طويلة.
الفيلم المعروض حالياً على منصة “موبي”، والذي نال في أجزائه الثلاثة جوائز عديدة، منها في مهرجان فينيسيا السينمائي، يقدّم الأخلاقيات لدى صاحبها المتمسك بها، كمسبّب للمآسي، أما مبعث ذلك فهو “الظرف الإنساني” الذي وجد كاجي نفسه فيه، وكان ضحية إذ لم تنقذه لا مبادؤه ولا حبه لزوجته، وهو دافعه الأساسي للبقاء حياً. كان ضحية “الظرف الإنساني” الذي تخطاه في قدرته كفرد لا يساوم على مبادئه، مؤمناً بعدالتها. أمّا خلاف الفيلم مع إرث التراجيديا الإغريقية، فهو في أنّ كاجي لم يرتكب خطأً أودى به إلى حتفه التراجيدي، والسياق المبرر لذلك كان في أنّ البطل مغمور في محيط طاغ له قوانينه التي كان اختراقُها، بمبادئه الإنسانية، بمحاسنه، خطيئةً مميتة. فنحن هنا أمام عالم حديث أولاً، صناعي ورأسمالي، وأمام حرب كونية ثانياً، وعلى الجانب الفاشي من هذه الحرب فالخطأ في سياق كهذا كان في ظرفه الإنساني والتاريخي، في الظرف لا في الذات، في السياق لا في الشخصية، وهو ما أدى إلى تراجيديا ملحمية كهذه.
أي مآل، إذن، في سياق كهذا، سيكون لفرد سلميٍّ وصل أعلى درجات القدرة الإنسانية على التحمل، للخروج من الحرب والدخول إلى بيته؟
