“باريس، تكساس”، هو أوّل اثنين لأفضل أفلام الألماني فيم فيندرز، وقد سبق بثلاثة أعوام فيلم “أجنحة الرغبة” (القدس العربي، 23-02-2022). كأنها، الأعوام القليلة هذه بين الفيلمين (1984-1987)، لخّصت مكمنَ الإبداع عند فيندرز، الألماني المتشارك مع مواطنه راينر فيرنر فاسبيندر، معالم سينما ألمانية جديدة، تخطت انطباعية الكلاسيكيين الألمان في سينما ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلى واقعية حديثة في سبعينيات القرن، تشارك وفاسبيندر إياها متخطياً، في تجربته السينمائية، المعالمَ الألمانية إلى تجارب أوروبية وأمريكية توضّحت في عموم الشكل السينمائي لفيندرز، من بينها كلها، أفضَلها كان الفيلمان المذكوران، وفيلمنا هذا، “باريس، تكساس”، الذي لا يمل أحدنا من مشاهدته، لأجوائه الهجينة، بمعناه الحسن، وبالتالي الابتكارية، بين الأوروبي والأمريكي، يمكن أن يمثّل، الفيلمُ، ثيمة سينمائية تتعدى، في قمتها، فيندرز بشخصه إلى عموم السينما الأوروبية في الثمانينيات، أو في عموم النصف الثاني من القرن العشرين.
يُبنى الفيلم على حالة لا حكاية، والحالة هذه تستعيد الحكاية، مَحكية لا مصوَّرة. وهذا واحد من أساليب السحر للسينما، إذ نعيش الحالة التالية لحكاية لا نعرفها. ندخل في الحالة، نؤخذ بها، بمرفقاتها من تصوير بانورامي لصحراء الغرب الأمريكي، مع موسيقى باردة ومريبة، وفي نفسية شخصية الفيلم الرئيسية، ترافيس، التائه الفاقد لبعض ذاكرته ورغباته وحواسه وإدراكه لما حوله. من هذا كله، وقد صار المُشاهد متداخلاً معها، نصل في لحظة لاحقة من الفيلم، إلى اللقطات التي نبدأ معها إدراك الحكاية البسيطة المحكية بكلام لا يزيد عن عشر دقائق، ندركها فنستعيد الحالة التي أدخلنا الفيلم فيها، من جديد كأننا للتو دخلناها.
ترافيس هذا، يبدأ الفيلمُ به تائهاً في الصحراء، يمشي، يدخل حانة، يقع، يُستدعى أخوه لاستلامه، وقد كان يظنه ميتاً في مكان ما بعدما اختفى لأربعة أعوام، يعود معه إلى بيته، ليلتقي بطفله الذي رباه أخوه بعد اختفائه، يحاول استعادة العلاقة مع طفله، ومن كل ذلك يبدأ بالبحث عن زوجته السابقة وحبيبته الدائمة، هو وطفلهما، لنبدأ من بعدها إدراك الحالة التي أدخلتنا، صورةً وصوتاً، في نفسية ترافيس وقلقه وإرباكه الدائمين. يجد حبيبته، يحكي لها، أو لنا من خلالها، ما حصل، متندماً، بحرقة الكتوم، على سوء معاملته لها، ما أدى إلى هربها، طالباً منها العودة إليهما، هو وطفلهما.
الفيلم في شكل التلقي المباشر له، فيلم طريق، يمر معظم وقته، بنا، على الطرقات وفي السيارة التي تجول في الصحراء وبين المدن النائية، لرجوع ترافيس مع أخيه إلى بيت الأخير ثم لخروج ترافيس مع طفله من البيت بحثاً عن الحبيبة. والفيلم، في شكله الأعمق، فيلم طريق للحالة النفسية لترافيس، ولحالة الحب التي يبحث عنها حاملاً كل الندم والأسف إلى حبيبته. تتطور شخصية ترافيس على مهل، كأنه على طريق يقطعه على مهل، إلى أن يصل إلى نهايته، وهي، النهاية والغاية، استعادة الحبيبة الهاربة، القلقة من هذا الهروب.
الفيلم (Paris, Texas) الذي نال جوائز أهمها السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي عام 1984، سرحَ في مقاربته لنوع فيلم الطريق، وفي أجواء أمريكية، سياقاً ولغةً، وهي مقاربة أوروبية من حيث تناول نفسية الشخصية والهدوء في تطورها والإقلال من الكلام مقابل التأملات و، أساساً، تصوير الحالة.
الحالة هذه، الممتدة على طول الفيلم، أقرب لعوالم حلميّة هلامية ليس احتمال القبض عليها أكيداً، كما أن ليس العثور على الحبيبة أكيداً، كما أنه بالعثور، لن تكون استعادتها، الحبيبة، أكيدة. يفسر الحالةَ، تأجيلُ الإدراك إلى النصف الثاني من الفيلم، وهو بكل ذلك كان استثنائياً في جمالياته البصرية والصوتية والسردية.
السرد، هنا، كان بشكل وترتيب لاءم الحالة التي أدخلنا إياها فيندرز، لاءم أسلوب مشاهدة كان أقرب لمحاولة قبض على حلم، لاءم محاولات مستمرة لتنويم ينفي الإدراك، تبثه الشاشة على الأعين المسحورة، إلى لحظة وصول الكلام ومعه الإدراك وبالتالي الخروج من الحلم لنفهم أننا أمام رجل هو عاشق وآسف قبل أن يكون تائهاً وغائباً عن الوعي وعن أحاسيسه. والإفهام هذا، نتلقاه بحضور الحبيبة، في مَشاهد التقائه بها دون استيعاب منها لما يحصل، كأن الحسي هنا، بحلوله، حقّقَ الحلم قابضاً عليه بأحلى حالاته، كأن الحسية استحلت مكاناً امتلأ على طول الفيلم بالإرباك والفقدان، وذلك كله لم يكن، في الفيلم، سوى باستجابة الحبيبة لترافيس، واستعادة الأخير، وطفله، إياها.
