1, الأولى
اكتب تعليقُا

“أجنحة الرغبة” لفيم فيندرز… في حب المدينة

الفيلم قصيدة حب على أكثر من مستوى، حب للمدينة بمكتباتها وسيركها وشوارعها وحاراتها وسكّانها، حب للملذات الحسية في هذه المدينة كالموسيقى والقهوة والتجوال، وحب لامرأة تعيش وحدتَها في المدينة.

فيلم الألماني فيم فيندرز، المكتوب برهافة سردية والمصوّر بحساسية كأن الكاميرا تتنقل على غيمة، يحكي عن أحوال مدينة برلين كما يراها، من أعالي المباني والكاتدرائيات ومن داخل المكتبات وعلى الأرصفة، ملائكة متجولون في المدينة متنقلون بين أهلها، غير مرئيين، لا أثر لحركاتهم وأفعالهم. هم ملائكة لا يراهم غير الأطفال، يحومون حول أهالي المدينة ينصتون إليهم، في أحاديثهم السرية وهواجسهم وتحديداً في أفكارهم غير المحكية، وفي حالات العزلة والوحدة شديدتي الوطأة، في مدينة مزدحمة كهذه. يسمع الملائكة أذهان النّاس، بأصواتهم ولغاتهم المتعددة في المدينة. أحد الملائكة يمر على لاعبة سيرك، امرأة فرنسية وحيدة، وصلت إلى برلين مع فريق سيرك لعروض قبل أن يكملوا تجوالهم، امرأة جميلة ووحيدة بما يكفي ليقع الملاك في حبها، بما يكفي ليختار أن يتخلى عن “ملائكيته” الضامنة له حياة أبدية، ليصير “أرضياً” آدمياً فتراه معشوقته، وكلاهما يعيش وحدةً قاتمة، ويحس بها.

بعد جولات بين السماء والأرض، بين سكّان المدينة ومساحاتها، يتعلق الملاك بالمدينة، وهو رجل يلبس، كباقي الملائكة، معطفاً بمسحة رمادية، لا يبتسم، لا يحس، لا يستلذ. يراقب الحسية لدى الآدميين واللذة، يخبره ملاك آخر، قد تحوّل إلى أدمي، أنه طالما بقي ملاكاً لن يشعر بلذة القهوة الساخنة، ولا دفء فرك اليدين، ولا القُبل ولا النساء.

يختار الملاك أخيراً أن يتخلى عن امتيازه ويسقط على الأرض، بادئاً حياته الآدمية بضربة على رأسه ليرى دمه يسيل، يتجول فرحاًَ في الشوارع باحثاً عن ناصحه، يخبره أن هنالك امرأة يبحث عنها. يبحث عن موقع السيرك وعن المرأة التي هجر السماء ليجاورها على الأرض.

الفيلم، بحكايته هذه، مثال ممتاز على شعرية السينما، ما نجده، بالمناسبة، في فيلم آخر لفيندرز، لا يقل شعرية وسحراً واحتفاء بالوحدة، هو “باريس، تكساس” (Paris, Texas) الذي صدر عام 1984 سابقاً فيلمنا هذا “أجنحة الرغبة” (Wings of Desire) بأعوام ثلاثة فقط. كأن الطاقة الإبداعية لدى فيندرز قد تكثفت في مرحلته القصيرة هذه متركزة في فيلميه، بعد وقبل أفلام عديدة أخرى تفاوتت في أهميتها وجمالها، مبتعدة نوعاً ما عن فيلميه البديعين.

الفيلم (الفيلمان إن أردنا شمل الآخر هنا) انحياز جمالي للحب، للرغبة، للحسية. الفيلم يذهب في تكريمه للحب بحالته الأولى، بأحاسيسه المبكرة، إلى أقصى ما يمكن، إلى التضحية بحياة خالدة، والتضحية بالحياة هنا لا تكون فقداناً أبدياً، فلا يموت أحد حباً بالآخر إلا خاسراً الحب والآخر. هنا التضحية بالحياة وهي حياة أبدية، تكون باستبدال حياة آدمية بها، باختيار سنوات وأيام وربما ساعات محدودة، لتجربة معيشية في الحب تكون تامة في حسيتها. تماماً كالملذات الأرضية الأخرى التي، مع المرأة المعشوقة، أتت به من السماء إلى الأرض.

الفيلم في السيناريو له، يقوم أساساً على أحاديث الناس في أنفسهم، بمرور الملاك بالناس سامعاً، بل منصتاً إلى، كلام كل منهم. هذا ما يجعل الفيلم، كلاماً، قصيدة مكتوبة فلا تكون الأحاديث والهواجس متتالية روائية بل حالات مشاعرية متفرقة يربط بينها فضاءُ المدينة، أو تبني فيما بينها فضاءَ المدينة، وذلك إلى أن يسقط الملاك، كأنه يرتقي، ويبدأ الكلام باتخاذ شكل الحوارات حيث الحدث لا الحالة، الحوارات اليومية وقد فقدت رهافتها وحساسيتها واكتسبت واقعيتها وحسيتها.

ترافق ذلك مع جماليات بصرية جمعت بين الأبيض والأسود، بمسحة “سيبيا” تضفي اصفراراً خفيفاً يمنح للصور وهميتها وهلاميتها، وهي، بذلك، ما يراه الملائكة وكيف يرونه. نزولاً إلى الأرض تصبح الصور ملونة، لأن للألوان لذة حسية كما هي باقي الملذات التي أتت بالملاك إلى الأرض. وقد لمحها، مرات، في مراقبته للمرأة تلعب على الحبال في الهواء، وقد تخلل المشاهد الرمادية لقطة ملوّنة، كأن إحساساً بالحب قد عبر قلبه وجسده وعينيه للحظة، فأتت اللقطة كالرعشة الحسية.

نال الفيلم جائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي عام 1987، ويُعرض، وكذلك “باريس، تكساس” في منصة “موبي” حالياً.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.