1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الجنرال» لبستر كيتن… وصفةُ الهندسة والكوميديا

كانت السينما، في بداياتها، وقبل إدخال الصوت إليها، أيْ في حالة صمتها، كانت تعتمد كلّياً على التلقي البصري لدى المُشاهد، ما يجعل الصورة، وما في داخلها من حركة، المورّد الوحيد للحكاية المؤلَّفة من تتالي صور ومَشاهد خلف بعضها، لذلك كان الأداء الجسدي، كما نراه في أفلام لتشارلي تشابلن ولبستر كيتن، هو الأساس في إيصال القصّة، مرفقاً أحياناً بلوحات مكتوبة تتخلل المَشاهد الحركية، لا يكون لها ضرورة في حالات كثيرة. فكانت الأفلام الصامتة هذه تعتمد على الحركات الجسدية والملامح لأبطالها تحديداً (كيتن وتشابلن وآخرين) ضمن مفارقات مضحكة، ساخرة، غريبة، مباغتة، هي في حالة تشابلن أقرب للتهريجية البسيطة والذكية، وفي حالة كيتن أقرب للبهلوانية الهندسية المعقّدة وكذلك الذكية.

هذا ما يجعل لكل من الاثنين مجاله في عالم السينما الصامتة الكوميدية، وكلٌّ منهما معلِّمٌ في مجاله. إنّما، لم ينل كيتن مساحته كما يجب، اليوم، أو كما نالها تشابلن على الأقل، لأسباب تتعلق بسيرة كل منهما، بالمرحلة التي انكفأ فيها كيتن وعُزل من قبل استديوهات هوليوود (وقد حورب تشابلن على كل حال) وكذلك للتعقيد الذي نشاهده في أفلامه، فالضحك عنده يلحق متابعة متأنّية لتتالي اللقطات المعقَّدة التي أوصلت إلى لحظة المفارَقة المضحكة، هذا يصب في صالحه في حالات، فيفضله أناس على تشابلن، وفي غير صالحه في حالات أخرى، فيفضل آخرون باحثون عن ضحك بسيط دون انتباه ضروري، تشابلن عليه.

ليست الغاية هنا المقارنة، فلكل أعماله العظيمة في تاريخ السينما، ولكل مكانته وأسلوبه تحديداً وإن اشتركا في الشكل والنوع. واحد من أهم الأفلام لأي منهما، من تلك المرحلة وذلك النوع المعتمد على المفارقة اللحظية الكوميدية، كان فيلم بستر كيتن «الجنرال» الذي أُنتج عام ١٩٢٦، والذي لا يقل أهمية عن أيٍّ من أفلام تشابلن المعروفة («الطفل»، «الديكتاتور العظيم»، «الأزمنة الحديثة»…).

«الجنرال»

اعتبره بستر كيتن أفضل أفلامه، ولعله لم يكن مخطئاً في ذلك، هو الذي أحبّ القطارات كما أحبّ التناسق الهندسي في تصميم حركاته ومَشاهد أفلامه، واجتمع كلاهما في فيلمه الروائي الطويل هذا. يسرق جوني غراي قاطرة ليلحق بها سارقي قطاره، وله اسم هو “الجنرال”، يستعيده ويعود به هارباً ممن كان يلحقهم، وفي الطريقين، ذهاباً وإياباً، تتركّز المَشاهد الكوميديّة الذكيّة التي تميّز كيتن عن سواه على كل حال.

لم يكن ذلك اللحاق فقط لاستعادة قاطرته الخاصة، بل كذلك لاستعادة خطيبته المخطوفة فيه، لكنّه، وقد تمّ رفضه كمتطوّع في الحرب الأهلية الأمريكيّة، سيصير بذهابه وإيابه بطلاً، فيُدرج اسمه على لائحة المتطوّعين وتُقدّم له بدلة الجندي، فيجلس على قطاره هو وحبيبته ويقبّلها، راداً السّلام على باقي الجنود بيد واحدة، كأي بطل سينمائي أمريكي.

يصوّر كيتن الحرب الأهلية برهافة قدر الإمكان، فيها حُبٌّ وفيها كوميديا، ودون أن يشير إلى فظائعها، وإن تم تصوير عمليات قتلٍ في الفيلم، وهو ما لم يكن مألوفاً في حينه، لكنّ الحرب والقتلى أتوا بتصوير حذر وضمن سياقي كوميدي حيث للصدفة دائماً، كما هي الكوميديا في السينما الصامتة، الفضل في المواقف المضحكة.

عنصر القوّة في الفيلم (The General) يكمن تحديداً في واقعيّته، فلا بطولة مُبالغ فيها ولا أخيار وأشرار تقليديين، علماً بأنّ جوني غراي يصفُّ إلى جانب طرف في الحرب، لكنّ الأساس كانت المفارقات الكوميديّة في اللحاق أولاً وفي الهرب ثانياً. ولم يقرن كيتن الواقعيّة بتصوير دماء وأشلاء منفّرة، بل بشكل إنجازه للمَشاهد، كمجمل عمل كيتن السينمائي. وفي واحدة من أشهر اللقطات في تاريخ السينما الصامتة، يفجّر كيتن قطاراً حقيقياً على جسر حقيقي ليكون المشهد واقعياً تماماً، في حينها كان المشهد، وتالياً الفيلم، الأكثر تكلفة سينمائياً. كما أنّه صوّر مدافع حقيقية تطلق ذخيرتها، وحريقاً حقيقياً فُقدت السيطرة عليه أثناءها.

أما القصة فهي تدور حول اندلاع الحرب بين الشماليين والجنوبيين في أميركا، حيث يذهب جوني غراي لإدراج اسمه ضمن المتطوعين كي تفرح به خطيبته، أنّابيل، لكن يتم رفضه لأنّه سيكون مفيداً أكثر كمهندس وليس كجندي، لم يدرك هو ذلك، فيحاول مراراً ويفشل، وترفض هي أن تتحدث معه ما لم يتزيّن ببدلة الحرب. يسرق جنود شماليون قاطرته وفيها حبيبته، يلحقهم، يسترد الاثنين ويعود إلى أرضه محذّراً فريقه من خطّة سمعها حين اختبأ في بيت قائد شمالي.

الفيلم المتوافر بجودة عالية ومجاناً على يوتيوب، والذي تمر هذا الشهر ذكرى ٩٥ عاماً على عرضه الأوّل، شارك في إخراجه كلايد بروكمان، وهو من بطولة كيتن الذي شارك في كتابته وإنتاجه. يُعتبر الفيلم أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما، كما يُعتبر أحد خواتم مرحلة السينما الصّامتة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.