1, الأولى
اكتب تعليقُا

بعد عامين من الجائحة… السينما ماتزال في الصالات

بين لحظة وأخرى، كاد أحدنا، في العامين الأخيرين، ينعى السينما، يعلن، حقيقةً هذه المرّة، موتَها بعدما تكالبت عليها ثلاثة عوامل اجتمعت أخيراً: التلفزيون الذكي كنسخة أحدث من الجهاز الذي ما برح يهدّد دُور السينما منذ وُجد، منصّات البث التدفقي والعروض المجانية على الإنترنت، وكلاهما ازدهر في العامين الأخيرين، الازدهار المتعلّق بالعامل الثالث وهو الجائحة البغيضة التي عاشها ومايزال يعيشها عالمنا، وما لحقها من دعوات للبقاء في المنزل ومن إغلاقات لصالات السينما.

ما كان لواحد من هذه العوامل أو لاثنين منها أن يُعلي إلى السطح حديثاً صار مرقَّعاً مبقَّعاً من كثر استخدامه، وهو موت صالة السينما التي زاحمتها على مكانها شاشاتٌ ومنصّاتٌ يصل ذكاؤها حدّ اقتراح فيلم لمشاهدته، بعدما اختيرت هي كوسيلة للمشاهدة. لكن، خبرٌ انتشر عبر الولاكات قبل أيام أفاد بغير كل تلك الأقاويل المكرورة والتي، ضمن المتوقَّع، يختار أصحابها أفلامهم حسب تسلسل “الأكثر مشاهدة” لهذه المنصات، أو بكبسة “شاهد شيئاً ما”.

الخبر الجيّد آتٍ من فرنسا، حيث لا بد أن يكون الخبر إن كان جيّداً وخصّ صالات السينما، في زمن يبدو ظاهرياً، انحسارياً لعادة الذهاب إلى الصالة. لا بدّ من الأرقام لذلك، وقد صدرت هذا الشهر عن المركز الوطني للسينما في فرنسا.

خلال العام ٢٠٢١، زادت نسبة المشاهدين في صالات السينما ٤٧٪ عنها عام ٢٠٢٠ (أي وصلت ٩٦ مليون مشاهد، إن كان الرّقم ضرورياً). وقد عاشت فرنسا والعالم ٢٠٢١ كلّه ضمن الجاحة، ومعظم ٢٠٢٠ إذ بدأت الإغلاقات فيها منتصفَ آذار/مارس. وذلك دون أن ننسى أن الصالات ظلّت مغلقة منذ بداية العام ٢٠٢١ حتى ١٩ أيار/مايو. ما يعادل نصف العام تقريباً، وأنّها حين فُتحت، كانت ضمن طاقات استيعاب محدودة، وكان النّاس محكومين، وحتى يومنا، إن لم نقل بخوفهم، بتجنّبهم الذهاب إلى صالات مغلقة معتمة لساعتين، إلى جوار آخرين غرباء. يُضاف إليها أن الساعات الأنسب للسينما هي المسائية، ما جعل ظروف وساعات حظر التجول الذي امتد لأشهر، معيقاً إضافياً لكثيرين في ذهابهم إلى السينما. يُضاف القرار الفرنسي الأخير حيال السينما، وهو شرط إبراز نتيجة سلبية أو شهادة تطعيم، وأخيراً ألغيت النتيجة السلبية وتم استبدال شهادة التصريح الصحي بشهادة التطعيم. هذا كلّه، ومع الخوف والقلق الدائمين لدى الناس، لم يمنع من زيادة تقرب الخمسين بالمئة، في عدد قاصدي دور السينما لمشاهدة الأفلام، رغم كل الإغراءات والمحفّزات التي تقدمها بدائل منزلية، ورغم الأزمات الاقتصادية التي تسببت بها الجائحة وقد توقّف الكثيرون عن أعمالهم، في كل العالم.

هذا ضمن مقارنة عامَي الجائحة، ٢٠٢٠ و٢٠٢١. ما يفيد بأنّ لا الفيروس ومهما تحوّر، ولا المنصّات ومهما تذاكت، أمكن لها الحلول محلّ صالات السينما أو الحيلولة بين النّاس وبينها. لكن الأرقام لم تنتهِ هنا، فتوجد أخرى تقارن بين العامين ٢٠١٩، ما قبل تفشي الفيروس، و٢٠٢٠. وفيها تفاؤل سينمائي كذلك.

خلال الأشهر التي كانت فيها الصالات مفتوحة، في ٢٠٢١، تراجعُ الحضور في الصالات لم يتجاوز الربع (٢٣٪) عمّا كانت عليه في الأشهر ذاتها عام ٢٠١٩. وبالتحديد، خلال كانون الأول/ديسمبر، فكانت نسبة الحضور متقاربة بين عامَي ٢٠١٩ و٢٠٢١، إذ تخطت التذاكر المباعة٢٠ مليوناً في ٢٠٢١، مقابل تخطيها ٢٢ مليوناً عام ٢٠١٩.

هذه مؤشرات عامة يمكن سحبها نسبياً على دول عديدة، وإن كان حال السينما في فرنسا متقدماً عنده في غيرها. فقد سجّلت فرنسا أقل قدر من انخفاض عدد مرتادي دور السينما في أوروبا والولايات المتحدة خلال زمن الجائحة. وفي فرنسا كذلك، ومن بين قرارات حكومية أخيرة للحد من تفشي الفيروس، تم منع الأكل والشرب في أماكن من ضمنها السينما، ما يعني أن أصوات فرقعة الفشار في أفواه المتفرّجين لن تندلع هذه الفترة في  الصالات، وروائح الملح والخل لن تتفشى في العتمة كأنّها “مؤثرات خاصة” مرفقة بالفيلم. وهذا ما يجعل الفئة ذاتها (أو نسبة كبيرة منها) التي حرصت على مواصلة الذهاب إلى صالات السينما رغم الجائحة ومرفقاتها، تكثر من الذّهاب قبل أن يزول الفيروس وتعود الولائم إلى صالات السينما. ليست هذه الأرقام مجرّدة، أي ليس لأحدنا أن يسأل “حسناً، ما الذي يذهب الناس لمشاهدته هناك؟”، سؤال يزامن نقاشات فارغة حول فيلم محدّدٍ جيّدٍ ومسلٍّ إنّما يبقى سطحياً تجارياً استهلاكياً ملائماً لملىء فراغ نهايات عام وبدايات آخر، على السوشيال ميديا، هو «لا تنظر إلى الأعلى»، الذي بثّته نتفلكس أخيراً، مزامناً، للمفارقة، فيلماً ممتازاً بثّته المنصة كذلك ولم ينل تلك الشهرة، هو «يد الله» لباولو سورينتينو. نعود إلى السينما لنجيب عن السؤال الفصيح أعلاه.

كأنّها مصادفة، أو أنّ الأفلام الممتازة تسارعت إلى الصالات إثر خروجها من المهرجانات (كان وفينيسيا تحديداً كما سنلاحظ تالياً). ولا تكون البداية بغيره إن حضر، هو الإسباني بيدرو ألمودوفار في فيلمه «أمّهات متوازيات» الذي شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير ونالت فيه بينلوبي كروز جائزة أفضل ممثلة، وفيه قصة امرأتين من جيلين مختلفين تلتقيان في مستشفى حيث ستلد كل منهما. يليه «بيتزا ليكوريس» للأمريكي بول توماس أندرسون، وفيه قصة صديقَي طفولة وعلاقة حب ناشئة بينهما. يليه «زوجة جاسوس» للياباني كيوشي كوروساوا الذي نال جائزة أفضل مخرج في مهرجان فينيسيا العام الماضي، وفيه رجل يترك زوجته ليحضر في محكمة كشاهد. يليه «الحدث» للفرنسية أودري ديوان التي نالت عنه الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا هذا العام، وفيه قصة للروائية آني أنرو عن تجربة إجهاض لفتاة. يليه «ثلاثة طوابق» للإيطالي ناني موريتي، وقد شارك في مهرجان كان الأخير، وفيه قصص ثلاث عائلات برجوازية في مبنى سكني واحد. يليه «ليزوليمبياد» للفرنسي جاك أوديار، وقد شارك في مهرجان كان الأخير كذلك. وفيه علاقات حب وصداقة بين ٣ فتيات وشاب. يليه «بطل» للإيراني أصغر فرهادي الذي نال الجائزة الكبرى في مهرجان كان الأخير، وفيه قصة سجين بسبب شكوى دَين غير مسدود. وغيرها من الأفلام الممتازة التي تلزم الذهابَ إلى الصالة والإعلان عن أنّ المشاهدة المنزلية للأفلام مهما كانت ضرورية، تبقى ثانوية وإضافية، وحسب.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.