1, الأولى
اكتب تعليقُا

بازوليني في فيلميه: الروائي عن المسيح والوثائقي عن فلسطين

قبل إنجاز فيلمه «الإنجيل بحسب القديس متى»، قام الإيطالي بيير باولو بازوليني برحلة إلى فلسطين لاختيار أماكن التّصوير، ووثّق ذلك في فيلم صوّر فيه الأماكن التي زارها والناس الذين التقى بهم، فلسطينيين ومستوطنين، مسجّلاً ملاحظاته التي لم يكن منها الإشارة إلى إسرائيل كدولة احتلال. لكنّه لم يصوّر أخيراً في فلسطين بسبب المباني الحديثة التي أنشأتها إسرائيل والتي غرّبت المكان عن حكايات الإنجيل، وقد أشار إلى أنّ العرب، قاصداً الفلسطينيين، بملامحهم وطبيعة عيشهم هم الأشبه بما كان في ذهنه عن المكان وأهله.

بازوليني، الملحد والشّيوعي والمثليّ، يصوّر الإنجيل في فيلم، هذا بحد ذاته حدث. انجذاب بازوليني إلى العنصر الشّعري في نَص الإنجيل، وإلى الميثولوجيا في مضمونه، جعلاه لا يقرّر تصوير سيرة المسيح فحسب، بل اعتماد النّص ذاته في فيلمه. لم يحوِ الفيلم الكثير من الكلام، اعتمد أساساً على الصّورة إنّما الحوارات فيه كانت مأخوذة عن الإنجيل. لكن الأساس الذي جمع بازوليني بالإنجيل كان أكثر عمقاً من الشّكل الشعري والأسطوري فيه، وبازوليني شاعر كما هو سينمائي. الأساس كان البعد الاجتماعي في حكاية المسيح، الانحياز إلى الفقراء والمستضعَفين، فبازوليني، كذلك، شيوعي ملتزم سياسياً واجتماعياً بقدر ما هو سينمائي وشاعر.

الفيلم الروائي

الرّوحانيّة الموجودة في الفيلم هي ما يقول عنها بازوليني إنّها الأخلاقيّات لديه، وهو بذلك لا يختلف مع مضمون الفيلم أخلاقياً، كونه ماركسياً، وهو كشاعر لن يختلف مع القصص الأسطوريّة فيه، هي مجازات بالنّسبة له. وإن لم يكن بازوليني واحداً من الاثنين: الشّاعر والشيوعي، لوُجدت حلقة ناقصة حالت بينه وبين حكاية المسيح ولَما صوّرها في فيلم اعتبره الڤاتيكان عام ٢٠١٥ الأفضل الذي تمّ انجازه عن المسيح.

والفيلم سيرة ذاتيّة لعيسى بن مريم، منذ ولادته حتى صلبه واختفائه بعدها بأيّام. في فلسطين إبّان الحكم الرّوماني، يُولد المسيح، يكبر ويبشّر مع أتباعه بالله وبالخلاص، يؤمن به البعض ويعتدي عليه آخرون. أخيراً يُعتقل ويتم صلبه.

ليس في الفيلم (The Gospel According to St. Matthew) تمجيداً كما ليس فيه عقلنة، تعامل بازوليني مع الحكاية فنّياً فكان الفيلم قيمة إضافيّة لها. كتب نصَّ الفيلم بنفسه وأخرجه بالأبيض والأسود واستخدم ممثّلين غير محترفين، جماليّات التّصوير كانت بسيطة تلائم نظرة بازوليني للحكاية.

الفيلم الوثائقي

غير الفيلم الروائي، خرج بازوليني بفيلم وثائقي قارب الساعةً في زمنه هو «التفتيش في فلسطين» (Location Hunting in Palestine)، يشرح فيه لمَ لم تكن فلسطين مناسبة لتصوير فيلمه الروائي، يمكن اعتباره ملحَقاً بفيلمه عن المسيح. الفيلم مليء بملاحظات استشراقية مبنية على توقعات آتية عن جهل، تُضاف إليها لامبالاة بازوليني بالتاريخ السياسي القريب والراهن لفلسطين آنذاك، وكانت هذه وتلك مخيّبتَين، ومنهما يُطرح سؤال، فالفيلم الروائي خرج عام ١٩٦٥ والوثائقي لحقه العام التالي. لو أخّر بازوليني زيارته عامَين أو ثلاثة، هل سيكون قد غيّر في مضمون فيلمَيه؟

عام ٦٥ كان الإعلان عن الكفاح المسلّح والحركة الفدائية الفلسطينية، عام ٦٧ كانت الحرب/الهزيمة العربية وبعدها بعام كانت معركة الكرامة التي أعلت من شأن الفدائي الفلسطيني وصورته. بعدها بعام وعامين بدأت الأفلام النضالية الفلسطينية بالخروج. انتشرت تلك الأفلام في السبعينيات وكانت للحركة الشيوعية الإيطالية مشارَكة فيها.

لا يقتصر السؤال على الوثائقي الذي سيكون، على الأرجح، لو تأخّر لأعوام قليلة، خالياً من استشراقيته ولامبالاته، بل يمتد السؤال إلى الروائي، وبازوليني لم يقدّم فيلماً دينياً أو استعادة محايدة للمسيح، بل إسقاطاً اجتماعياً على راهن إيطالي وعالمي كان مايزال يدخل عالم حداثة تقنية ورأسمالية تترسّخ في أوروبا (وتمثّلهما دولة إسرائيل في شرق المتوسّط) في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

يمكن أن نشاهد النقد الأقذع لهذه الحداثة، في الستينيات وتحديداً في السبعينيات وبدرجة أقل في الثمانينيات وما لحقها، في أفلام الفرنسي جان لوك غودار الذي تعرّف إلى القضية الفلسطينية من خلال ثورتها وأنجز فيلمه «هنا وهنالك» عنها. إنّما بازوليني، بخلاف صديقه ورفيقه (في ماركسيته والتزامه السياسي) الفرنسي، اختار أن يذهب بعيداً في التاريخ لنقد الراهن، وجزء من هذا الراهن (وإن لم ينتقده صراحة) هو العمارة الحديثة التي بنتها إسرائيل في فلسطين، ما حال دون تصوير فيلمه عن المسيح هناك، فعاد لتصويره في بلده. لو تأخّر الفيلم أعواماً قليلة لوضعَ بازوليني ملاحظاته في سياقها التاريخي وتحدّث (غالباً) عن القرى الممحيّة التي أتت هذه العمارة الحديثة عليها.

اختيار بازوليني العودة إلى التاريخ في نقد الراهن يمتد من هذا  الفيلم إلى «ثلاثية الحياة» التي استمد قصصها من كل من «الديكاميرون» و«حكايات كانتربري» و«ألف ليلة وليلة»، فلم يكن فيلمه عن المسيح تجربة منفردة بل نهجاً سينمائياً. أما أوجه النقد المُسقَط على راهن بازوليني فهي عموماً نقد طبقي، ماركسي في جوهره، وهي كذلك حاضرة في فيلمه عن المسيح، رفيق الفقراء والمضطهَدين.

الفقراء المضطهَدون هؤلاء، في راهن بازوليني، هم الفلسطينيون الذين، لسوء حظ في التوقيت، لم يكن وثائقيُّه ولا روائيُّه، عن فلسطين وعن المسيح، يلحظهم، فلم يكن لهم لا صوت ولا صورة.

هذا يعيدنا إلى المبدأ القائل إن العالم لا يلتفت إلى الضعيف، إن العالم لا يتضامن مع ضحية ما لم تقاوم. وهذا ما شهده الفلسطينيون بعد إطلاق ثورتهم وصناعة أفلامهم وصناعة آخرين، إيطاليين ومن كل العالم، أفلاماً تضامناً معهم كضحية تاريخية أعلنت ثورتها وصارت تقاوم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.