1, الأولى
اكتب تعليقُا

العودة إلى الأفلام النضالية الفلسطينية في ثلاثة كتب

العودة إلى الأفلام النضالية، أفلام الثورة الفلسطينية، ضرورة لا لفهم المرحلة الأولى للسينما الفلسطينية بشكلها المُأسَّس وحسب، وبالتالي إدراكٍ أوسع للسياق الذي تأتي فيه أفلام الفلسطينيين من حينها حتى اليوم، هي كذلك لاطّلاعٍ أوسع على تلك المرحلة من حياة الفلسطينيين، وبالتالي حركتهم الوطنية، في جوانبها كافة، من السياسة إلى الاجتماع إلى الثقافة من آداب وفنون. أي أن استيعاب سينما الثورة يتعدى تلك الأفلام عمودياً إلى أفلام زمننا هذا، وأفقياً إلى أشكال تعبير فنّية في زمنها ذاك.

ولا تكون العودة هذه بالمشاهدة وحسب، والتي أتت بعد انقطاع، فكانت المشاهدة التي نتجت عن محاولات متعدّدة لإيجاد ما يمكن إيجاده من تلك الأفلام (المفقودة في معظمها منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام ١٩٨٢)، ولرقمنة وترميم ما وُجد، فأتيحت في مناسبات تراوحت بين منصات إلكترونية ومهرجانات سينما. لكن المسألة تخطّت الإيجاد والرقمنة والترميم، فليس الإدراك بالمشاهدة وحسب.

في السنوات الأخيرة، اعتمدت بعض الوثائقيات على بعض تلك الأفلام ومَشاهدها، شكلاً ومضموناً. لكن، حدثان أخيراً أضافا إلى تلك العودة عمقاً معرفياً يتخطى المشاهَدة ويرفدها بسياقٍ ما كانت ستحظى به من دونها، الأوّل (زمانياً) هو كتاب نادية يعقوب «السينما الفلسطينية في أيام الثورة» (صدر بالإنكليزية: Palestinian Cinema in the Days of Revolution، ٢٠١٨، منشورات جامعة تكساس)، والثاني هو كتاب خديجة حباشنة «فرسان السينما: سيرة وحدة أفلام فلسطين» (٢٠٢٠، عمّان: الدار الأهلية). في سنتين صار لما وُجد وأُتيح للمشاهدة، من الأفلام النضالية تلك، قاعدة وأبعاداً معرفية تتعدى الأفلامَ إلى ما يمكن أن يؤسّس عليها في دراسة السينما الفلسطينية في عمومها، كما تتعدى السينما ذاتها في دراسة الحالة الثقافية (والسياسية والاجتماعية) الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، أو للدقة، من أواخر الستينيات حتى أوائل الثمانينيات.

يتميّز الكتابان بإكمال واحدهما الآخر. كتاب حباشنة يعتمد على الذاكرة الشفاهية، وعلى تجربة المؤلِّفة في تلك المرحلة، فقد اهتمّت بأرشفة ما تصوّره منظمة التحرير (تحديداً “وحدة أفلام فلسطين” التي ستصير “مؤسسة السينما الفلسطينية”). تنقل في كتابها ما تتذكره إضافة إلى ما يتذكره فاعلون من تلك المرحلة، قابلتهم وسجّلت شهاداتهم، في سياق أتى متتالياً في كتابها، زمانياً وموضوعاتياً، فيكون الكتاب مادة خام بمثابة المصدر لكل تناول لأفلام الثورة. للكتاب بُعده الشخصي الآتي مباشرة من هناك، حباشنة هي زوجة الراحل مصطفى أبو علي صاحب التجربة الأهم في السينما النضالية الفلسطينية، وهي العارفة بالفاعلين في تلك السينما، الباقي إلى يومنا، وقامت على مدى سنوات في تسجيل مقابلات معهم لتوثيق الشهادات لإنجاز كتابها، وذلك بموازاة عملها الاستثنائي في البحث عن الأفلام المفقودة والسعي لترميمها ورقمنتها، وهو عمل تغيب عنه مؤسسات وتهمله وزارة الثقافة الفلسطينية.

الكتاب الثاني، ليعقوب، أتى كذلك بعد دراسة لسنوات تخللتها مقابلات ومشاهدات، وهو هنا يتكامل مع الأوّل لطبيعته الأكاديمية، كتوثيق كتابي لا شفاهي، كدراسة من الخارج لا من الداخل، ما يمكن أن يعطي المعرفة حول السينما النضالية الفلسطينية، توثيقاً كتابياً يكمل الشفاهي في كتاب حباشنة.

النّقص في أحدها يسنده الآخر، أحدهما مصدر والآخر مرجع، أحدهما ذاتي والآخر موضوعي. أحدهما يقدّم أساساً المعلومة والآخر التحليل.

جزءٌ من أهميّة الكتابين يعود إلى افتقاد الكتب المتناولة لتلك السينما، فلم يكن لأحدنا، ما قبل ٢٠١٨، مرجعٌ سوى دراسات متفرّقة غير متعمّقة، هنا وهناك، ومذكّرات أو أجزاء منها، ومقالات أو فصول قصيرة. أستثني كتاباً واحداً بالعربية عنوانه «فلسطين في السينما»، وهو كتاب جماعي من تحرير غي إينيبل ووليد شميط، صدر عن وزارة الثقافة في رام الله عام ٢٠٠٦، وهو، كما يمكن للباحث والسائل عنه أن يستنتج، مفقود حتى لدى الوزارة ذاتها، فلا مجال للباحث أن يجد نسخة لا ورقية ولا إلكترونية، لا مشروعة ولا مسروقة. وهو، كما يبدو، ترجمة لبعض محتوى كتاب صادر بالفرنسية، وهو ما يمكن أن يكون المكمّل لكتابَي حباشنة ويعقوب، «فلسطين والسينما» (Palestine et le Cinema، باريس: منشورات E100، ١٩٧٧) من تحرير غي إينيبل وخميس خياطي. ويحوي مقابلات ومقالات وبيانات وندوات وغيرها محفوظة كما هي من زمنها، فالكتاب الصادر عام ١٩٧٧، ينقل النصوص من زمن الثورة وأفلامها بروحها وعباراتها كما كانت، لا بالتذكّر الشفاهي ولا الدراسة الكتابية.

أضيف إلى كل المذكور، كتباً يستحيل، أو يكاد، الحصول عليها اليوم، منها للناقد سمير فريد، وآخر للمخرج قاسم حول، وآخر للكاتب حسين العودات، وآخر للمخرج مصطفى أبو علي مشتركاً مع الناقد حسان أبو غنيمة.

في «فرسان السينما» ذكريات بصوت حباشنة وأصوات أخرى، عن “وحدة أفلام فلسطين” منذ كانت فكرة، إلى فقدان الأفلام والأرشيف، حتى المحاولات الثّمينة (ثقافياً وسينمائياً وسياسياً) للمؤلفة في تعقّبها اليوم. في «السينما الفلسطينية في أيام الثورة» (بالإنكليزية) دراسة أكاديمية لتلك الأفلام في سياق سينما العالم الثالث والسينما النضالية، محلّلةً بعض أفلام الثورة الفلسطينية. في «فلسطين والسينما» (بالفرنسية) نصوص مجمَّعة، من ٢٣ ناقداً، ومثلهم سينمائي، عربي وأجنبي، لا تستعيد أفلام تلك المرحلة بل تحملها كما هي إلى اليوم، كمصدر أوّل، كمّاً ونوعاً، لإدراك أوّلي، أفقياً وعمودياً، لأفلام تلك المرحلة من تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطني.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.