1, الأولى
اكتب تعليقُا

عن الخلل في العلاقة بين الفيلم الفلسطيني جمهوره المحلي

في أكثر من مناسبة، يقرأ أو يسمع أحدنا شكوى أو ملاحظة من صانع أفلام فلسطيني (مهما قصرت سيرتُه الفيلمية أو طالت) حول قلّة الحضور في عروض فيلم/أفلام له داخل فلسطين. ما يزيد الخيبةَ أن ذلك يكون عموماً ضمن عروض خاصة أو مهرجانات يُفترَض أن تكون بصالات ممتلئة.

قالها أحد الصنّاع الشباب، في الفترة الأخيرة، في نقاش تلا عرض فيلمه، في صراحة قد لا نجدها عند غيره. وما قاله يتخطاه ممتداً إلى عموم المشهد السينمائي الفلسطيني. ففي وقت تكون فيه القاعة خلال عرض فيلمه، في بلد أجنبي، ممتلئة (يساعد في ذلك حضور المخرج المدعوّ وإدراج العرض ضمن مهرجان له جمهوره بمعزل عن فيلم بعينه)، تكون القاعة شبه خالية في بلد الفيلم وعند مجتمعه المحلي، حيث يحكي الفيلم ما يمكن أن يمسّ الحياة اليومية لأي فرد من بين الحضور.

هذا أحد مكامن الخلل الرئيسية في السينما الفلسطينية، وقد قيل مراراً إنّها سينما مهرجانات ومنفصلة عن واقعها. أما كونها سينما مهرجانات فهذا لا يذمّها ما لم يتعارض ذلك مع كونها سينما أهلها. المشاركات في المهرجانات ضرورة لإيصال الفيلم الفلسطيني، ومن خلاله سردية الفلسطينية، إلى أكبر قدر ممكن من النّاس، لكنّ يتحوّل ذلك إلى خللٍ رئيسي نشهده في السينما الفلسطينية اليوم، إن كانت لتلك المشاركات وبالتالي أولئك الناس، المشاهدين الأجانب، الأولوية على آخرين من المجتمع المحلي للفيلم والعاملين فيه والشخصيات التي يروي الفيلمُ قصصها. بذلك يصحّ شكوى آخرين، تقابل شكوى صنّاع الأفلام، في أنّ الصنّاع، أساساً، يكتبون ويصوّرون ويُخرجون ويمنتجون وعينهم على الأجنبي، وهم كذلك يبحثون عن ممولين يشاركون في صناعة شكل الفيلم ومضمونه باعتبار تام للجمهور الأجنبي ذاته، ولمهرجاناته. وتمتد الشكوى إلى القول إنّ هؤلاء الصنّاع لا يصنعون أفلاماً لمجتمعهم المحلي، من الأصدقاء إلى الغرباء إلى الصحافيين والنقّاد إلى السينيفيليين إلى كل فرد ضمن المجتمع المحلي مهما كانت مهنته واهتماماته. وتصل الشكوى إلى أنّ الأفلام الفلسطينية تُصنَع لتُشاهَد وتقيَّم وتنال “شرعيتها” من الخارج، فتعود إلى بلدها “منتصرة”، في عروض لا تلقى الحماسة والاهتمام من مجتمعها المحلي كما “يُفترَض”، فقد لا يعني الانتصار في الخارج سوى هزيمة في الداخل.

بتراكم هذه الحالات خلال السنوات -لنقُل- العشرين الأخيرة، ترسّخت فكرة أنّ كل هَمّ صنّاع الأفلام الفلسطينيين (دون تعميم، عموماً) هو في المحكَّم والمقيِّم والمُشاهد الأجنبي (الأجنبي يعني لدى هؤلاء الغربي الأبيض، وهذا خلل آخر في فهم معنى السينما لدى الصنّاع)، لا الجار وابن البلد، أو كل من يمكن أن يملأ القاعة غير البعيدة، في البلاد. فالقاعة هذه، في الحيّ المجاور، في المهرجان المحلي الصغير، تمنح الفيلم ما لا يمكن لقاعة كبرى ومهرجان غربي أن يمنحه، من برلين شرقاً إلى تورونتو غرباً.

توجد، على كل حال، أسباب ثانوية تعزّز حال الفراق بين الفيلم ومُشاهده في فلسطين، منها إتاحة الكثير من الأفلام بشكل مقرصَن أو منزليّ، منها أنّ نسبة محبّي (والقادرين على والمتهمين بـ) الذهاب إلى المهرجان/العرض، قليلة. لكن، وهذا ما يستحق الوقوف عنده، توجد حقيقةٌ مقلقة هي أن لا يجد هؤلاء أي جدّية في ما يشاهدونه، أن يجدونه كاريكاتورياً. رأيهم بالفيلم يمكن أن يزيل عنه موثوقيّته.

لنتّفق أولاً على أنّ ليس على أي فيلم أن يلتَقي مع توقّعات وأمنيات مشاهده، وتحديداً “مشاهديه” بصيغة الجمع. الفيلم مادة فنّية (صناعية تجارية سياسية… الخ، لكنها كذلك فنية)، وهو بذلك، كأي عمل فنّي، لا يكون في أسوأ حالاته إلا في “إجماع وطني” وثقافي ونقدي وشعبي، تجاهه. لكن التلقي الشعبي الجمعي النسبي للفيلم (غير الشعبوي الإجماعي التام)، وبتكرار وتراكم هذا التلقي، لأفلام تتشابه في موضوعاتها، يمكن أن يعطي، هذا التلقي، تحذيراً من أنّ خللاً ما يدور هنا، والشعور الجمعي يكون عادة عاطفياً، مبدئياً، تلقائياً، صادقاً.

من هنا تأتي الموثوقية التي يمكن أن يمنحها جمهور محلي لفيلم أو ينزعها عن آخر. يمكن للصوت الجماعي أن يطغى على ما دونه إن صرّح “لا تجري الأمور كذلك” أو “هذا يحصل في السينما فقط”. في ذلك، يمكن للصانع أن يجد مَخرجاً في الردّ بأنّه يصوّر خيالاً وحالة فردية استثنائية. فلا يكون في موقع المبرِّر التائه وكذلك لا يكون الجمهور على خطأ. ويكون هذا ضمن المساحة الديمقراطية في التأويل والتلقّي التي تمنحها الأعمال الفنية.

أين تكمن المشكلة؟ في أن لا يعتقد المخرج بما أمكن له أن يقوله أعلاه، في أن يصرّح بأنّه يصوّر القاعدة لا الاستثناء (معتقداً أنّ القاعدة هي ما يرغب برؤيته الغربي)، في أنّه يصور يوميات يعيشها شعبه، صارخاً على الجندي عند الحاجز أو قافزاً بحرَفيّة عن الجدار. فتتعارض هنا رؤية الصانع الساعي لمبالغات تجعل (أو يظنّها تجعل) من نَصّه فيلماً سينمائياً، مع رؤية الجمهور المحلي الواقعية، الذي يبحث عن ذاته ولا يراها، الذي يجد في تلك المبالغات مثاراً للسخرية، والذي يعتقد، أخيراً -مصيباً أم مخطئاً- أنّ الفيلم محبوكٌ بكل هذا الخلل، ليلائم المُشاهد الأجنبي، دون اكتراث من الصانع في مصداقية التفاصيل، أو في رأي فلسطينيين يرون نسخةً “معدّلَة” لأنفسهم في الفيلم، بما يلائم آخرين لديهم قرارات وجوائز وتمويلات. لكن هذه الأخيرة لا تأتي بالموثوقية/المصداقية، مهما روّجت للفيلم.

لا يمكن لصانع الفيلم أن يشكو من عدم اكتراث جمهور فلسطيني بفيلمه، فتكون القاعة خالية، متسائلاً لمَ يكون الحال معكوساً في الغرب. لا يمكنه ما لم يثبت فيلمُه موثوقيّتَه لأولئك المشاهدين المحليين، ما لم يثبت أنه يحترم ذكاءهم ومعرفتهم قبل أي اعتبار لذلك الغربي مهما اشتدّ بياضُه وامتلأت جيوبه وبلغت سلطتُه. لا يمكنه ما لم يدرك، الصانع، أنّ قيمة الفيلم لا تكون في جائزة جمهورٍ أوروبي وتصفيقه ودموعه، ولا في جائزة أي لجنة، بل في تلقّي بيئته المحلية، فتأتي قيمة الفيلم الأولى (أو تقييمه الأوّلي) من المكان الذي خرج منه الفيلم وكل المشاركين في صناعته، المكان الذي يروي حكايته الفيلم، بكل شخصياته وهمومهم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.