1, الأولى
اكتب تعليقُا

“أيام فلسطين السينمائية”… المهرجان كفاعل في المجتمع المدني

قبل أيّام، صنّفت إسرائيلُ ستّ مؤسسات فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان ورعاية الأسرى والتنمية، “منظّماتٍ إرهابية”. ممهدةً لإغلاقها أولاً، ولاستباحة العمل الأهلي والنضال السلمي الفلسطيني ثانياً، ولضرب المجتمع المدني الفلسطيني ثالثاً، ولتبعاتٍ يمكن أن تصل إلى عاشراً وأكثر. قسمٌ أساسي من المجتمع المدني في فلسطين هو المؤسسات الثقافية، التي لا تتلقّى دعماً مادياً كما هو حال مؤسسات حقوقية، والتي لا تلقى الدّعم الأهلي كما تلقاه تلك المؤسسات، ولا غرابة في ذلك أخذاً بعين الاعتبار الظرف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون هناك، وفي ظرف كهذا لا تكون الثقافة، هموماً ومؤسسات، ضمن الأولويات، وخاصة مع السّبات العجيب لوزارة الثقافة في رام الله.

بكلّ الأحوال، تبقى المؤسسات الثقافية في كلّ مكان، الأكثرَ هشاشة والأشدَّ تأثّراً بأي ظروف خاصة (الظروف الخاصة في العالم هي الظروف العامة في فلسطين) كحالات الإغلاق الجزئي أو التام، ولعلّ دور السينما والمسارح والمكتبات، في ظل أزمة الجائحة في السنتَين الأخيرتَين، مثال بيّن.

ما يستدعي هذه الاستعادة أو هذا التذكير بما هو معروف ومُعاش، هو من ناحية، عودة مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” (من ٣ إلى ٨ تشرين الثاني/نوفمبر) لعروضه “العادية” في ظل الظرف الفلسطيني الدائم. والمهرجان، لأهمّية مثالِه في الحالة الفلسطينية، ضرورةٌ تمسُّ عموم الصناعة السينمائية الفلسطينية، إذ يمنح السينما، كصناعة وكفن، وكذلك كممارسة جماهيرية مدينيّة، مساحتَها اللازمة الموصِلة بين طرفَيها: الصُنّاع ومجتمعهم المحلّي.

هو، من ناحية ثانية، لاستدعاء التذكير بالحالة الفلسطينية العامة، وبالإحالة إلى انقضاض إسرائيل على المجتمع المدني الفلسطيني، هو ما يمكن تسميته بالتكافل الثقافي، وهو جديدُ هذه الدورة الثامنة من المهرجان، إذ سيذهب ريع عروض الأفلام في مدينة القدس إلى مسرح “الحكواتي”، كمساهمة رمزية من المؤسسة المنظِّمة للمهرجان، “فيلم لاب فلسطين”، لدعم صمود المسرح كصرحٍ ثقافي هام في القدس، في ظل الظروف المالية الصعبة التي يعيشها والتي باتت تهدّد استمراريته، كما صرّح مدير المهرجان حنّا عطالله، الذي دعا كافة المؤسسات الثقافية المحلية والعربية والدولية إلى مساندة المسرح كي يتمكن من تجاوز الأزمة.

هذه المبادرة من المهرجان الفتيّ تجاه المسرح العريق الذي يشكّل حالة ثقافية تتخطى موقعه كمسرح، أو كمؤسسةِ مجتمعٍ مدني تسعى إسرائيل إلى حصاره وإلغائه، تمنح المهرجان، بعروضه وبرامجه كافة، معنى يتخطى حالةَ المهرجان السينمائي إلى الفاعل الثقافي الملتحم بالجمهور المحلي ومجتمعه المدني، معطياً للسينما معناها النضالي إلى جانب الفنّي، كما كانت دائماً في “الحالات الخاصة” في العالم، كالدَّور النضالي المتخطي للحدود الفنّية، الذي أدته، مثلاً، “الموجة الجديدة” في فرنسا خلال الستينيات والثورة الطلابية آنذاك، وقبلها “الواقعية الجديدة” في إيطالية خلال الخمسينيات والتذكير بالفاشية وبؤس مجتمعها، وبالمقاومة، وقبلهما السوفييتية في العشرينيات وتصوير ثورة الفقراء، وباقي التيارات في العالم المتأثرة بدرجات متفاوتة (شكلاً وموضوعاً) بهذه التيارات الرئيسية في تاريخ السينما. والحديث هنا يتناول تيّارات يتخطى الفيلمُ فيها صفتَه الفنّية إلى كونه منتَجٍ سياسي/اجتماعي فاعل في المجتمع المحلي ومتعلّق به ضمن مؤسسات تساهم (إلى جانب مؤسسات حقوقية مثلاً) في تشكيل المجتمع المدني، من النقابات والجمعيّات إلى نوادي السينما الطّلابية.

يأتي التكافل الثقافي الذي يجسّده “أيام فلسطين السينمائية” في دورته هذه، منسجماً مع إدراك المهرجان لضرورة الوجود السينمائي في فلسطين، صناعةً وثقافة، وهذا مألوف لدى المهرجان المعنيّ بدعم صنّاع الأفلام في بداية مشوارهم، وفي عقد ملتقيات نقاشية، وفي منح الأطفال مساحة مُشاهَدة، وفي التركيز، ضمن جوائزه، على عمليات الإنتاج وتطويرها. لكنّه، اليوم، في تلاحمه مع مسرح “الحكواتي” في أزمته، يتخطى ضرورةَ الوجود السينمائي إلى ضرورة الوجود الثقافي في فلسطين، ككتلة واحدة تضمّ السينما كما تضمّ المسرح ومجالات الفنون والإبداع المختلفة. وهذا ما يمنح المبادرةَ (ونأمل تناسخَها في فلسطين) معنى تشاركيّاً في الحرص على بقاء إحدى ركائز المجتمع المدني الفلسطيني، وهي المؤسسات الثقافية، قائمة في ظل ظروف يسبّبها الاحتلال، تقصّد تهديدَه إياها أم اكتفى بجثومه على صدورها، يسببها كذلك الوضعُ الناتج عن الجائحة والذي أُغلقت بسببه مئات دور السينما والصالات والمسارح والمكتبات في العالم، وخلال سنتَين، وبسببٍ مستديمٍ كما يبدو عالمياً، وهو عزوف النّاس عن الصالات والمسارح، مقابل التلفزيون ومعاييره في أعماله التي تغلبُ فيها الاستهلاكيةُ الترفيهيةُ فنّيةَ العمل السينمائي (أو المسرحي).

في دورته هذه، يكون المهرجانُ مثالاً حيوياً على تلاحم الفنّي بالاجتماعي بالسياسي بالحقوقي في تشكيل المجتمع المدني الفلسطيني والحفاظ عليه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.