1, الأولى
اكتب تعليقُا

جورج ميليس، أو حيث تكون السينما استعراضاً سحرياً

السينما، في جزء منها، سحر. ليس هذا مجازاً أو مديحاً. هي كذلك. بل بدأت، في سنواتها الأولى بذلك، وبقيت عليه إلى اليوم. السينما، بهذا المعنى، خيال. هو ذلك الخيال الذي يحوم في أذهان المشاهدين، كما هو السحر الذي يُقدّم في عروض لاعب الخفّة المخادع المسلّي. هذه العروض، في قسم كبير منها، واحدة من مرجعيات السينما.

متى بدأ ذلك؟ أو لمَ أذكره؟ هو لأنّ السينما بدأت، بأهم انعطافاتها الأولى، مع جورج ميليس، الساحر الفرنسي. لنتّفق أولاً على عدم صحّة قول إن السينما بدأت مع هذا أو ذاك، وبهذا الفيلم أو ذاك، فالمسألة تراكمية وتشاركية ومراحليّة. يمكن العودة في هذا الحديث إلى توماس أديسون واختراع الكهرباء مثلاً، كما يمكن العودة إلى الأخوين (أوغست ولوي) لوميير الفرنسيين، وقد اخترعا السينماتوغراف (١٨٩٥)، التصوير الحركي، ولهما تعود الأشرطة الأولى في التاريخ، فكانا مخترعين وأوّل مخرجين سينمائيين. يمكن العودة إلى الولايات المتحدة التي دخلت سريعاً على الخط، فتأسست هوليوود، ومع عام ١٩٠٠ صارت السينما تجارية والصالات منتشرة، وكانت الأفلام تسجيلية واقعية، أما التمثيلية منها فكانت بسيطة وقصيرة.

لكن، قبل أن تصبح السينما صناعة وتجارة، في الولايات المتحدة وفرنسا والعالم لاحقاً، لنعُد إلى موضوعنا، حيث السينما السحر، السينما الاستعراض، وأساس الخدع البصرية التي أتى بها ميليس إلى السينما. أساس كل ذلك يعود إلى طبيعة عمل ميليس القادم إلى السينما. لاعب الخفّة، الساحر، أتى إلى الشاشة بعروضه من على خشبة المسرح. أحضر إلى هذا الفن الجديد سحرَه واستعراضاته.

في وقت كان فيه ميليس يجترّ ويستكشف طرقاً جديدة في استعراضاته على الخشبة، كيف يخفي امرأة وكيف يخرج أرنباً من قبّعة، طبّق، في أفلامه القصيرة والقصيرة جداً، الخدع ذاتها إنّما مشتغلاً على المونتاج، على التقطيع، فتحوّل المشهد السحري من خفة يد إلى دقة يد، من مهارة حيّة على المسرح إلى اشتغال استكشافي في المونتاج، في إطباق صور على بعضها، في قصّها ولصقها، لتخرج الصورة أخيراً، للمشاهدين أمام الشاشة، كما كانت تخرج معه للمشاهدين أمام الخشبة. لذلك نقول إنّ ميليس هو أبُ الخدع في السينما، هو ساحرها الأوّل. وإن انتقل فعل السحر هذا، اليوم، من ساحة الفن إلى ساحة التقنيات.

الأدوات، الأجهزة، الأزياء، الملصقات، المجسمات، الرسوم، وغيرها من عدّة العمل التي كانت لدى ميليس، تُعرض، اليوم، وحتى عام ٢٠٢٥، في السينماتيك الفرنسية في متحف خاص بميليس، استُحدث هذا العام، إضافة إلى عروض سينمائية خاصة، وقد رافقت قناة ARTE ذلك بعرض ١٢ فيلماً لميليس وعنه، أحدها كان الوثائقي «ميليس اللغز» (٢٠٢١) لإيريك لانج، صاحب وثائقيات تاريخية أخرى حول تشارلي تشابلن، والمراحل الأولى للسينما. سأعود إليه لذكر أهم ما ورد فيه..

إلى ميليس، إذن، تدين السينما اليوم في عنصر التأثيرات الخاصة، والتأثيرات الخاصة لا ينحصر معناها في تفجيرات خرافية في فيلم نهاية الأسبوع، أو في تنّين يحرق مدينة في مسلسل كل يوم. لهذه التأثيرات، على دقة دورها ورقّته، حضور في أكثر الأفلام فنّية واستقلالية، فلا غنى عنها مهما كان موضوع الفيلم وشكله، وميزانيته، وإن كان للتأثيرات هذه حصّتها، الكبيرة نوعاً ما، من ميزانية أي فيلم. نذكر، في ذلك، فيلمه الأشهر «رحلة إلى القمر» (١٩٠٢)، ونذكر أفلاماً أخرى له هي «الرجل الأوركسترا» (١٩٠٠) و«مملكة الجنّيات» (١٩٠٣) و«قصر ألف ليلة وليلة» (١٩٠٥) وغيرها مما هي (في معظمها) عروض سحر من خلال المونتاج والتصوير، أكثر منها أفلام بسرد متواصل لحكاية ولو كانت قصيرة بطول الأفلام المتراوحة بين ٣ دقائق و٢٠ دقيقة أو أكثر قليلاً.

لا يقتصر السحر بما فيه من مباغتة لمشاهِد الاستعراض، مباغته تقلب ما كان إدراكاً مستمراً مطمئناً لما يراه أو يعرفه، بل امتد، السحر بمعناه هذا، إلى ميليس شخصياً، إذ بعدما أحرق أشرطته، هاجراً السينما، في ما يمكن أن تكون كارثة سينمائية محقَّقة، كما أظهر فيلمُ «ميليس اللغز»، وقد ظنّ العالم أنّ أفلامه التأسيسية للسينما، قد تلاشت. يُعثَر، لاحقاً وصدفةً، على نسخ أخرى منها، وهي بالمئات، ليدرك العالم أنّ ميليس كان يصوّر أفلامه بكاميرتين متلاصقتين، أحرق معظم (أو كلَّ، ونفد البعض) أشرطة إحداهما وترك كل ما صوره بالأخرى مخفياً محفوظاً. يمكن، كما أظهر الوثائقي، المقارنة بين بعض ما نجا من أفلامه المحروقة، مع نسخ كاميرته الأخرى، يمكن ملاحظة انزياح في الصورة التي لم تكن متطابقة في الكاميرتين لوضعيتيهما المتجاورتين. كأنّ يُخرج ساحر ما، أمامنا، شريطاً (أو ديكاً) سليماً من صندوق محترق، في استعراض حيّ على الخشبة.

قال ميليس مرّة، وهو ما يمكن أن يلخّص مقاربته للسينما، ما ننهي به هذه الأسطر: “ليس هنالك ما يُقال، يتوجّب إخراج المستحيل سينمائياً، طالما نستطيع تصويره، وجعله مرئياً.”

في الفرنسية، لكلمة “إخراج سينمائي” معنى “تحقيق” (جعله حقيقياً/واقعياً)، ما يعطي لمقولة ميليس هذه معنى موازياً هو “يتوجّب تحقيق المستحيل” و”يتوجّب جعل المستحيل واقعاً”. هذا هو السحر، وهذه هي السينما، فيتماهى الإخراج السينمائي بتحقيق المستحيل. ليست السينما، صدفةً، فنَّ جعل المستحيل مرئياً، فنّ إظهاره أمام أعيننا، وإبهارنا.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.