لا تكون فلسطين حاضرة، سينمائياً، في أعمالٍ لفلسطينيين وحسب، فقد تكون أفلام غير الفلسطينيين، فلسطينية ما كان موضوعها فلسطينياً، وذلك -وقد تناولتُ موضوعَه في غير مناسبة- لتخطّي اسمُ فلسطين المكانَ الضيق حيث يُحصَر اسم الدولة المنتجة، فيكون اسمُ “فلسطين” أوسع من تصنيف إجرائي يكون للدولة/الدول المنتجة.
لذلك، بقولٍ مباشر يمكن لأحدنا أن يصرّح أن لا مشاركة لفلسطين كانت في دورة هذا العام من مهرجان كان السينمائي. لكن يقول أحدنا كذلك إن فلسطين حاضرة فيما يتخطى عناوين الأفلام المشاركة في المهرجان، ببرامجه المختلفة (المسابقة الرسمية، أسبوعَي المخرجين، نظرة ما)، دون الحضور الأوّلي المتمثل في فيلم ينافس على إحدى جوائزه، كما كان الحال مع فيلم إيليا سليمان الأخير «إن شئت كما في السماء» الذي كان، بحد ذاته، حدثاً “فلسطينياً/كانياً” في الدورة الماضية، عام ٢٠١٩.
قامت “مؤسسة الفيلم الفلسطينية” أخيراً بجرد هذا الحضور لهذا العام، ولم يشمل، بكل الأحوال، حضورَ فيلم فلسطيني منافس، إنّما، كان الحضورُ لاسم فلسطين ضمن عموم المهرجان في أقسامه وتفرّعاته، وهو ما يتيح لأحدنا القول إنّ فلسطين حاضرة بهذا الشكل أو ذاك، وإن كان، دائماً، الحضورُ الأهم هو في أحد برامج المسابقات، وتحديداً الرسمية منها.
ولأنّ الحديث، هنا، بدأ بأفلام لغير فلسطينيين، أبدأ، من جردة “المؤسسة” بفيلم الإنكليزي، المخرج والناقد اليساري، بيتر وولن، Friendship’s Death (١٩٨٧)، ببطولة لتيلدا سوينتون، المتضامنة، بتميّز عن غيرها، مع الفلسطينيين. يحكي الفيلم عن علاقة بين صحافي بريطاني وامرأة فضائية تسقط، خطأً، في الأردن خلال أحداث “أيلول الأسود” (مقتلة الفلسطينيين على يد النظام الأردني) عام ١٩٧٠. وهو الفيلم الروائي الطويل الوحيد لوولن. الفيلم كان من بين ما رمّمه المهرجانُ لعرضه ضمن قسمه “كلاسيكيات كان”.
فيلم آخر لغير فلسطيني/ة هو The Sun and the Looking Glass، للفرنسية ميلينا ديس، وبشراكة فلسطينية في الإنتاج (Idioms film). أتى الفيلم بعنوان فرعي هو “لأنّ أحدنا ينسى لكن الشجرة تتذكّر”، ويحكي عن قرية “عين قينيا” في الضفة الغربية، المعرضة لتحويرات وتغييرات استعمارية في هويتها، من خلال تصورٍ أتى على شكل الفيلم/المقالة، لبيتين يعودان إلى زمن العثمانيين. يستدعي الفيلمُ من خلال عدسة مكبّرة، عملية خلق السرديات بالإخفاء والكشف. ترشّح الفيلم لجوائز “دوك أليانس” ليحضر في تظاهرة “سوق الفيلم” في المهرجان.
في برنامج “أسيد” للسينما المستقلة، الموازي لعروض المهرجان، سيحضر، ضمن أفلام أخرى، فيلم «فلسطين الصغرى: يوميات الحصار» لعبدالله الخطيب. ويتناول الفيلم يوميات حصار مخيم اليرموك، الذي فرضه النظام السوري على أهالي المخيم بين ٢٠١٣ و٢٠١٥.
الحضور الأبرز لفلسطين، ضمن دورة هذا العام، قد يكون في المشاريع الوثائقية الأربعة ضمن “سوق الفيلم” لمخرجين شباب، تُقدّمها “مؤسسة الفيلم الفلسطيني” بالتعاون مع “كان دوكس”. المشاريع التي سنشاهدها لاحقاً كأفلام مكتملة هي: «الألب» لنائل الخليفي، وهو عن متضامنين يساعدون اللاجئين في العبور عبر جبال الألب، عند الحدود الإيطالية الفرنسية. «أرض الإسمنت» لأسمهان بكيرات، يحكي عن عائلة بدوية تكافح للحفاظ على أسلوب حياتها. «الوعود الثلاثة» ليوسف سروجي، يحكي عن صعوبة اختبار المغادرة وترك البيت في ظل حرب قائمة. «عارض الأفلام» لأليكس بكري، يحكي عن عارض الأفلام في سينما جنين القديمة، حسين، الذي فقد مهنته ويحاول استعادتها.
هذه المشاركات، غير المباشرة وغير المتسابِقة في برامج المهرجان، أضيف إليها بياناً عمّمه فلسطينيون عاملون في فيلم للإسرائيلي عيران كولرين، Let it be Morning، رافضين تصنيف الفيلم في المهرجان كإسرائيلي، وقد شارك في صناعته العديد من الفلسطينيين، وهو يتناول حالة حصار تتجسد حسب البيان “في الجدران الإسمنتية السميكة، والحواجز العسكرية، والعوائق المادية والنفسية، إضافةً إلى سياسات الإذعان وانتهاك هوية الفلسطينيات والفلسطينيين، وثقافتهم وحركتهم وحقوق الإنسان الأساسية.” ليست الصورة واضحة تماماً، بعد، فيما يخص الفيلم. ولا يكون ذكره والبيان هنا إلا بموازاة لحضور الفلسطينيين في كان، وليس ضمنه.
كل المذكور هنا، من أفلام ومشاريع، سيكون معرَّضاً للمشاهدة قريباً، كما يُفتَرض. الحركة، غير الرّاكدة بكل الأحوال، في عموم المشهد السينمائي الفلسطيني، ستتزايد مع أخبار ومشاريع خارج إطار هذا المهرجان، ننتظرها هي كذلك. لكن، المُنتظَر من بين كل المذكور أعلاه، الآن، هي المشاريع الأربعة لجيل فلسطيني جديد يتكشّف على مناطق ومواضيع تتخطى المألوف المتكرّر فلسطينياً. هذا كلّه يبقى ترقّباً إلى أن يحين وقت المشاهَدة.
في القدس العربي
Published on 23/07/2021
اكتب تعليقُا
