1, الأولى
اكتب تعليقُا

“جمل المحامل” في نسخة حماس… سلبٌ للمعنى الفلسطيني

لم تكن، الصورة التي اتّخذتها حركة حماس خلفيّةً لرئيسها في غزة، يحيى السنوار، في مؤتمره الصحافي، إثر إعلان الهدنة، لم تكن “جملَ المحامل” الفلسطينية، اللوحة التي علّقها الفلسطينيون في معظم بيوتهم. ولم تكن إعادةَ إنتاج لها، أو تقليداً بريئاً ساذَجاً، بل تمثيلاً بصرياً موازياً لموقع الحركة في المجتمع الفلسطيني، وهو موقع، في جزء أساسي منه، استلابي.

لا بدّ من رؤية الأعمال في سياقاتها، والخروج بالصورة إلى ما هو خلف إطارها. بذلك، ولفهم هذا الاستلاب، فهو ليس للوحة وحسب بل لمعناها، لما تتضمّنه من صورة “الفلسطيني”، أنظرُ إلى الصورة الأكبر التي أسقطت سياقاً على عمل “جمل المحامل” كما صوّرتْه حماس، وكانت جزءاً مكوّناً منه، محاصِراً. فأتت، إلى جانب المقاتل الحمساوي، عبارةُ “سيف القدس”، وشعار الحركة الإسلامية، وسماء خضراء، وسطر من آية قرآنية هو «نصرٌ من الله وفتحٌ قريب». وهي عناصر مكمّلة للمقاتل (وهو ليس فدائياً) في السياق ذاته، في إيصال الهويّة ذاتها الممثِّلة لحماس كحركة مقاومة (وهي كذلك عموماً) وسلطة، إسلامية. فشعار الحركة، وبقيّة العناصر، مكوّناتٌ للهويّة الإسلامية لهذه الحركة (وليس لهذا الشعب). هي السياق البصري الذي جاور وأحاط بالمقاتل المدجّج بكامل عدّته الحربية الباذخة، الملثّم كما لا يتلثّم الفلسطينيون، بقبّعته الغريبة، الأقرب ليكون عنصر كوماندوس لا هويّة وطنيّة (وخاصة فلسطينية) له، فالعناصر البصرية للمقاتل الفلسطيني، الفدائي، كما تطوّرت مع منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، لا تكون بهذا البذخ (ولا يجب أن تكون)، وهو يتلثّم بالكوفيّة، حمراء وسوداء، ويقاتل برشّاش “شعبي”، كلاشنيكوف غالباً، ويكون، وهو فدائي، خفيفاً غير محمَّلٍ بعدّة تُخصَّص للجيوش، لا لحركات المقاومة والكفاح المسلّح وحروب العصابات.

من ذلك أقول إنّ السياق الإسلامي لهذه الصورة المطبوعة، خلف السّنوار، والبذخ في تصوير المقاتل، جرّد الرّجلَ، في الصورة، من الصفة الوطنية أولاً، والثوريّة ثانياً، ما ينفي عنها مفهوم غسان كنفاني عن تحوّل خيمة اللاجئ إلى خيمة الفدائي، كما كتبها في روايته «أم سعد». فليس هذا العسكري تحوّلاً لذلك الشيخ الذي يحمل مدينة القدس على ظهره المنحني، بل سلباً لمعناه أو للتطوّر الطبيعي لمعناه وهو الفدائي الفلسطيني بشتى تمثيلاته. أذكّر، بالعودة إلى صفتَي وطنية وثورية، أنّ حماس ليست حركة وطنية (طبيعتها الإسلامية تستثني فئة من إبناء الوطن من اتخاذها ممثلاً) ولا هي حركة ثورية (تجربتها كسلطة وقمعية في قطاع غزة تظهر ذلك. وحماس تتشارك مع حركة فتح في الضفة الغربية، في تمثيل صورة، هي حتى مبتورة، عن الثوريين المتحوّلين إلى سلطويين، كما كتبَها كلٌّ من جورج أورويل وفرانز فانون).

هذه المقدّمة، أعلاه، كانت لغاية القول إنّ “تطوّر” الرّجل المنهَك، الفلّاح، فلسطينيّ الملامح، الذي يحمل عاصمة الفلسطينيين، القدس، على ظهره، في لوحة سليمان منصور الزيتيّة “جمل المحامل”، المنجزَة بنسختها الأولى عام ١٩٧٣، لا يكون باستبدال مقاتل فصائلي إسلامي باذخ، به. قد تطوّرَ في سياق حركة تحرر وطني، ثمّ تحوّرَ في سياق سلب حركة إسلامية لتراث وطني، ولصورة المكافح ومعنى الكفاح في هذا التراث. وهذا السّلب ليس استمراريّة للكفاح ذاته، بل هو كفاح آخر، أتى ملعوباً بصورته (تقنياً ومعنوياً) ليكون مقاتلاً بهيئة حمساوية (ذلك البذخ متاح لمقاتلي حماس وحسب) مقاتلاً يمسك علم فلسطين بشكل مفتعَل ومُقحَم، حتى “تصميمياً”. وبالحديث عن “اللعب بالصورة” لن أخوض في أنّ “جمل المحامل” كانت عملاً فنياً زيتياً عالياً، لتصير في الصورة المطبوعة أخيراً، تصميماً هاوياً على الفوتوشوب، فهذا إخلال بالشكل الفني الفلسطيني كما كان مضمون الصورة إخلالاً بالمعنى الوطني الفلسطيني. لن أخوض لأن الحديث سيطول عن امتهان الحركة (الحركات) الإسلامية للتقنيات واستهانتها بالفنون. نظرة على ملصقات هذه الحركات تكفينا، وأخرى على ملصقات فصائل المنظّمة التي أنجزها فنّانون: مارك رودين، فلاديمير تماري، إميل منعم، يوسف عبدلكي، وآخرون.

دخلت “لوحة السنوار” البيوت، عنوةً وعبر الشاشات، عبر التقنيّة، بعدما كانت البيوت، في نسبة منها، مسكونةً بسنخٍ من “جمل المحامل”. وهذا الدّخول خرّب “فردانيّة الصورة، ونتيجة لذلك فإن معناها يتغيّر” كما كتب جون برجر في «ways of seeing»، وبرجر هنا يتكلّم عن اللوحة ذاتها، كأن نرى “جمل المحامل” عبر التلفزيون. لكن، معنى اللوحة ذاتها، اليوم، شهد تدهوراً إذ تحوّلَ استيعابُنا لها من مكوّنة لهويّة البيت الفلسطيني (كخريطة فلسطين مفصَّلة أو كوفيّة معلّقة)، إلى خلفية لمؤتمر صحافي لرئيس حماس في غزة تصل عبر الشاشات، في سياق عسكري وخطاب انتصاري أُريد له أن يكون شديد “الإبهار” (خطاب السنوار الكارثي وقتها، ٢٦ أيار/مايو ٢٠٢١، كان كذلك جزءاً من عموم الصّورة)، فلم يتغيّر المعنى، في تلقّي لوحة “جمل المحامل”، بل تغيّرَ العمل ذاته بالاستيلاء على معناه، على مضمونه وكذلك شكله، فامّحت تلك الفردانية التي تكلّم عنها برجر، سلبتها أخرى. امّحت ولم تتغيّر.

في موقع آخر من الكتاب، يقول برجر إنّ “اللوحات يُعاد إنتاجها، عادة، مع كلمات حولها.” ويعطي مثلاً ثم يسهب في تغيير الكلمات للصورة: “اللوحة الآن توضّح العبارة”، وليس العكس. هنا، المقاتلُ (وقد سلب معنى “جمل المحامل”) كان توضيحاً لمعنى تخطّاه، ولما هو أبعد منه، يحيط به، يعطيه “شرعيته”، وهو، إضافة إلى السنوار وخطابه، شعار الحركة وعبارة “سيف القدس”، أي الإحالات الحمساويّة. يضيف برجر كأنّه يتكلّم عن صورة مؤتمر السّنوار إنّ “الصورة المعاد إنتاجها أصبحت جزءاً من نقاش لا توجد علاقة له، أو توجد لكن ضئيلة، بمعنى اللوحة المستقل والأصلي. اقتبست الكلماتُ اللوحةَ لتؤكّد على سلطتها الكتابيّة الخاصة”. يضيف: “فمعنى الصورة يتغيّر حسب ما يراه أحدنا مباشرةً إلى جانبها، أو ما يليها مباشرةً.”

لم تقم حماس، إذن، بنفي المعنى الفلسطيني لـ “جمل المحامل” وحسب، ولم تقدّم التقنيّة على الفن (الفوتوشوب والأسلحة)، بل اتّخذت لنفسها، من خلال السياق الذي وضعت فيه الصورة، ومن خلال الكلمات المرفَقة بها، سلطةً على سلب معنى اللوحة الأصلية، وإعادة إنتاج المعنى في سياق إسلامي وحزبي.

سطت حماس على لوحة هي دائمة الحضور في الذاكرة البصرية الجمعية للفلسطينيين، سلبتها معناها الوطني الجامع وحمّلتها معاني عسكرية إسلامية حزبية تخصّ فئة ضيّقة من الفلسطينيين، وإن انجرّ الكثيرون إليها بحكم العاطفة الشعوبيّة الانجرافية المفهومَة في أزمنة الحروب. هذا كلّه لا يسيء إلى العمل الأصلي فحسب بل إلى إدراك الفلسطينين له، وذلك بالسلطة العنويّة التي فرضتها حماس على هذا الإدراك، وبعملٍ هو شديد الرداءة فنّياً.

في مقالته “The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction” في كتابه «Illuminations»، يقول فالتر بنيامين: “حتى النسخة الأكثر كمالاً، المُعاد إنتاجها، من العمل الفني، تفتقر إلى عنصر واحد: حضوره في الزمان والمساحة، وجوده الفريد في المكان الذي يكون فيه”.

لوحة السنوار، تلك، نفت زمان “جمل المحامل” ومساحتها. نفت سياقَها الوطني والثوري والفنّي الفلسطيني. لم تفتقر إلى “الحضور في الزمان والمساحة” لأسباب خارجة عن إرادتها، بل نفته بإرادة تامة، أخرجته عن سياقه وألبسته سلطتها الخاصة. بنت نسختَها من المكوّنات البصريّة الإسلامية للصورة المطبوعة، “سلّحتها” بالعبارات كما أثقلت المقاتلَ بالسلاح.

محت حماسُ، أخيراً، “الوجودَ الفريد” للوحة، ومعناها الفريد في ذاكرتنا الوطنية، ولحماس اشتباكٌ تاريخي مع حالة الوجود الثقافي للفلسطيني، مع أشكال مقاومته، مع أدبه وفنونه ورموزه، مع أزيائه وسلوكه، مع الكثير من مكوّنات الهوية الوطنية الفلسطينية التي يطول الكلام فيها متى بدأ. “جمل المحامل” هنا، آخر أمثلتها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.