ثلاثة عوالم مشهديّة تمرّ أمامنا في فيلم «لنا ذاكرتنا» لرامي فرح. تتداخل عوالم الواقع والفيديو والمسرح، ببعضها، مشكلةً هذا الوثائقي الذي قاربها من خلال التراجيدياً، بمفهومها المتعلّق بطبيعة الشخصيات وأقدارها غير المستحقَّة.
ثلاثة فاعلين في الثورة السورية، في أزمنتها الأولى، في درعا، دعاهم المُخرج إلى خشبة المسرح، عارضاً عليهم فيديوهات كانوا صوّروها هناك آنذاك، ليشاهدوها ويستعيدوا لا ذكرياتهم، بل ذاكرتهم الواحدة عنها، فالحديث هنا عن سياق واحد، زماناً ومكاناً وشخصيات، وهذا ما يفتح ممراً إلى فهمٍ تراجيدي (بالمعنى الإغريفي) لواقع هؤلاء، وثورتِهم، ولمآلهم في فيلم التبسَت عليهم، ثلاثتهم، أمكنتُهم فيه: خلف الكاميرا وأمامها، مصوَّرين ومصوَّرين.
على خشبة مسرح، وأمام شاشة سينما، وقف الثلاثة ومعهم رامي فرح، يعلّقون على فيديوهاتهم التي وصل عمرها، اليوم، عقداً كاملاً. يعلّقون ويستعيدون من خلالها ذكرياتهم المتداخلة المتزامنة المتماهية. يلتبس الأمر عليهم، فهم، لحظة عرض الفيديوهات، يعودون إليها، إلى درعا في الزمان الأوّل للثورة، هم هناك، وهم هنا، في أوروبا، على خشبة المسرح، يؤدون واقعياً، دور الثائر المهزوم، في عالم بلا عدل، بل لأنّ العالم بلا عدل. وهم هنا وهناك، في واقعهم المتأرجح بين العالمَين والواصل بينهما، ذلك الذي على الشاشة وهذا الذي على الخشبة.
يقول أحد الثلاثة إنّه “الآن، مهزوم أمام الأسد”. وقال في عبارة لصيقة لأنّ العبارتَين لا تفترقان “لأن لا عدل في هذا العالم”. هذا القول تحديداً يفتح ممرات لنا، كمشاهدين، إلى فهمٍ “تراجيديٍّ” للفيلم الذي بدا كفصلٍ لاحق لتلك الفيديوهات في تراجيديا واحدة. نحن هنا أمام تراجيديا تجرّ عبر الألم إلى حتف أبطالها. تراجيديا من فصلَين: كان الأوّل منها تلك الفيديوهات، وكان الأخير منها هذا الوثائقي. وكان الأبطال الثلاثة، في طريقهم إلى حتفهم وفي هزيمة ثورة كان لقدرها أن يتغيّر لو أنّ عدلاً أكثر تواجد في هذا العالم، كانوا على طول التراجيديا، متنقّلين في عوالمها الثلاثة: الواقع كفاتحة لها، الفيديو كذاكرة جماعية تُستَعاد (ويُستَعاد أملُها) بحسرة وتصل بين واقعهم الماضي وحاضرهم، والمسرح كخاتمة راهنة ينظر فيها البطل، ومنها، إلى ماضٍ أوّل إنّما بإدراك لاحق لعناصر المأساة الراهنة، تتشكّل أمام عينَيه، من بينها مشهدٌ انتصاري صغير، في ما قاله أحد الثلاثة في تمثالٍ للطاغية حافظ الأسد وقد أُسقط وسط درعا، وأُحرق بما لم يتوقّعه من سهولة، وقد كان، من مكانه العالي، يبدو، بإثارته للرعب، صلباً.
لكن، بخلاف التراجيديات الإغريقية، لم تتسبّب بالمأساة، بقدَر السوريين اليوم، أخطاءٌ في أبطالها الذاهبين إلى حتفهم بحتميّة، بل في سياقاتهم، في محيطهم، في العالم منقوص العدل. فالتر بنيامين يفسّر بعض ذلك، في مقالته «القدَر والشخصية» في كتابه «Reflections».
يقول إنّ “القدَر والشخصية يُنظَر إليهما، عموماً، ضمن علاقة سببية، أنّ الشخصية سببُ القدَر”. يبدأ مقالته بهذا الاعتقاد (الإغريقي) ليفنّده لاحقاً بكونه غير ملائم للعقل المعاصر الذي يبحث عن المأساة في تحليل الشخصية. يصل إلى أنّ “حيث تكون هنالك شخصية، لن يكون هنالك، حتماً، القدَر. وفي ساحة القدر، لن توجَد الشخصية”. أمّا حصرهما في سياق واحد تكون فيه الشخصية مسألة أخلاقية ويكون فيه القدر مسألة دينية، فيكون، خطأً، لربطهما بمفهوم “الشعور بالذنب”. فتنال الشخصية، مستحقَّةً، حتفَها، ما يمكن أن يسبّب شعوراً بالارتياح (كاثارسيس) لدى المشاهدين. ينقض بنيامين ذلك قائلاً: “هنالك مفهوم للقدَر (…) مستقل تماماً عن مفهوم الشخصية، وله أساساته في مجال مختلف تماماً” هي، كما يؤكّد، تتعلّق بـ “القانون”.
ما يعني أنّ للمأساة السورية مآل التراجيديا الإغريقية إنّما لغياب “القانون” كمعيارٍ معاصر، ندركه بربط حقيقةٍ قالها أحد الثلاثة، أنه هُزمَ لأنّ لا عدل في هذا العالم، مع فكرة بنيامين أنّ قدَر الشخصيات لا بدّ أن يُقاس بالقانون، أي بالعدل والحقّ، وفكرته أن “الأفعال فقط، وليس أبداً السّمات، يكون لها أهميّة أخلاقية”. والأفعال، في الواقع والذاكرة، هي تلك التظاهرات السلميّة والمدنيّة التي ركّز عليها الثلاثةُ في أحاديثهم، والتي لا مبرّر عادلاً يمكن أم يحملها إلى مأساتها اليوم.
الفيلم، بمسرحَته للفيديوهات، بخلق الالتباس في مواقع شخصياته خلف الكاميرا وأمامها، متفرِّجين ومُتفرَّج عليهم، بطرح حالة التراجيديا ونقضها بعبارة واحدة عن اللاعدل في هذا العالم، الفيلم بذلك وبحساسية شخصياته الثلاث وحقيقيتهم، إضافة صادقة وموجعة إلى توثيق الذاكرة السورية للثورة.
