1, الأولى
اكتب تعليقُا

«ملعونو الكومونة»… ١٥٠ عاماً على الثورة الباريسية

تتناول الأعمال السينمائية، روائيةً ووثائقيةً، الأحداث التاريخية بشكل متواصل، وكلّما علت تاريخيةُ الحدث تكثر تلك الأعمال، ذلك يتعلق طبعاً بكمية الإنتاج السينمائي في بلد تلك الأحداث، ونوعيته. في فرنسا مثلاً، حيث للسينما صناعة متقدمة، يسهل أن نجد أفلاماً عديدة تناولت الثورة الفرنسية، واحتلال النازية لفرنسا، والمقاومة الفرنسية (الشيوعية تحديداً) آنذاك، وثورة أيار ١٩٦٨، وكذلك، وبشكل خاص، كومونة باريس التي نمر هذه الأيام بذكراها المئة والخمسين.

يصعب أن يكون أي فيلم جديد حول واحد من هذه الأحداث، زيادة عددية وحسب (ما لم يكن شديد الرداءة)، فهذه الأعمال، لطبيعة موضوعها، تتراكم، وقد يحرص القائمون عليها، كمبرر أولي للقيام بعملهم، على إضفاء تراكم فيه شيء من الجدّة البحثيّة أو الجدّية الفنّية، ما يمكن أن يجعل العمل، شكلاً ومضموناً، إضافة، مكمّلة، إلى الموجود في تناول الحدث التاريخي ذاته، قد تكون، ببساطة، حكاية إنسانية جديدة في السياق التاريخي ذاته. ولا يقتصر ذلك على الموضوع/الحكاية/الشخصيات، بل كذلك على الشكل الذي يقدم فيه الفيلمُ الموضوع.

في فيلم «ملعونو الكومونة» (Les damnés de la Commune) لرافاييل ميسان (المأخوذ مباشرة عن رواية مصوّرة للمخرج ذاته، بثلاثة أجزاء)، ٢٠١٩، المعروض حالياً على قناة ARTE، لذكرى الكومونة، نشهد تقديماً جديداً لها، شكلاً وموضوعاً. هو تصوير لمذكّرات فيكتورين بروشيه التي عاشت الكومونة ونجت من مجزرتها. صحافية ومناضلة أناركية كتبت، كلاجئة، مذكراتها بعنوان «مذكّرات حيّة ميّتة». الحكاية تُروى بصوت راوٍ، بنصوص مقتبسة من المذكرات. ترافقها رسومات مأخوذة من نقوش وفنون بأشكالها، من صحف وكتب تلك المرحلة. فكان الفيلم صوتاً راوياً وصوراً شبه ثابتة.

هذه الإضافة النوعية في عموم رواية الباريسيين للكومونة، وقد قاوموا فيها عسكر الحكومة المنهزمة. فلاحون وعمّال وصحافيون وفنانون وكل أهالي المدينة، المحليين، قاوموا بالأسلحة المتاحة، وبنوا المتاريس من أثاث بيوتهم، ونظّموا ما يمكن اعتباره الثورة الشيوعية الأمثل، ومصدر الوحي لكارل ماركس.

لم تُقدَّم الكومونة سينمائياً (بعد) كما يمكن لأحدنا أن يتوقع، كعمل سينمائي عظيم، مهما كانت المقاربة الفنية، لمخرج فرنسي أو غيره، وقد كان التناول للكومونة، في غالب الأعمال، تاريخياً، توثيقياً، بعيداً، نوعاً ما، عن أدبية العمل، كما هو حال «ملعونو الكومونة». وإن كان أوّل فيلم فرنسي تناول الكومونة قد أنتج عام ١٩٠٧، لأليس غاي، فيلم صامت وقصير اسمه «أعمال الشغب على المتراس» (L’ émeute sur la barricade)، وتوالت من بعده الأفلام حتى فيلم بيتر واتكينس «الكومونة: باريس ١٨٧١» (La Commune, Paris, 1871) والذي أُنتج عام ٢٠٠٠، مروراً بأفلام غير فرنسية، كالسوفييتية ومنها «بابل الجديدة» (The New Babylon) لغريغوري كوزينتسيف وليونيد تروبيرغ، الرائع والصامت والمُنتج عام ١٩٢٩.

الكومونة أو “العامّية”

لعلّ أفضل من يلخّص أحداث الكومونة (العظيمة، وبأقلّ عدد كلمات ممكن)، عربياً، هو المؤرخ اللبناني فواز طرابلسي، والذي عرّب اسمها ليصير “عامّية”. لذلك، أنقل هنا، بإذن منه، تدوينته المنشورة في ٢٨ آذار/مارس، في ذكرى عامّية باريس عام ١٨٧١:

“بعد هزيمة جيش نابليون الثالث واحتلال الجيش البروسي لأجزاء واسعة من فرنسا، أعلنت الجمهورية الثالثة وانعقدت انتخابات نيابية أسفرت عن أكثرية للملكيين الدستوريين وعن حكومة برئاسة آدولف تيير ومركزها قصر فرساي. سرعان ما انهزم جيش الجمهورية واستسلمت الحكومة لشروط بسمارك المذلّة وأبرزها ضم منطقتي آلزاس ولورين إلى ألمانيا.

رفضت باريس الاستسلام فانسحب منها حاكم العاصمة العسكري وتولى «الحرس الوطني» السلطة وقد احتل مبنى البلدية ورفع عليها علم «العامية» الأحمر، «أحمر، من دم العمال»، كما ورد في النشيد. 

حكمت باريس نفسها بنفسها تحت حصار الجيش البروسي وجيش حكومة فرساي. رفع الأهالي المتاريس. وجّه ثوار المدينة نداءً إلى الفلاحين: مصالحنا مشتركة، باريس تريد الأرض للفلاحين، العمل للجميع وتملّك العامل والحرفي لأدوات عمله. لكن الأرياف لم تستجب.

انتخبت باريس ممثليها في «مجلس العامية» من ٩٢ عضواً، انخفض عددهم إلى ٦٠، نصفهم من العمال، بعد استقالة نواب الأحياء الميسورة، وانتخب المجلس بدوره «اللجنة التنفيذية» لقيادة «العامية». وانتخبت وحدات الحرس الوطني مجلسها من ٥٠٠ مندوب انتخبوا بدورهم «اللجنة المركزية» لقيادة الحرس. أبرز قرارات «العامية»:

– فصل الكنيسة عن الدولة ومصادرة أملاكها.

– الديمقراطية المباشرة: الجنود ينتخبون الضباط، والمندوبون التنفيذيون معرّضون في أي وقت لنزع الثقة عنهم من ناخبيهم. 

 – إلغاء عقوبة الإعدام وإلغاء التجنيد الإجباري.

– إعلان قيام التعليم الرسمي العلماني.

– منح الجنسية للأجانب المقيمين في المدينة.

– اجتماعياً: منع عمل الأطفال، إلغاء عقوبات العمل، إلغاء قسم من الرهونات والفوائد على الديون، مصادرة المشاغل التي غادرها أصحابها وإدارتها من العاملين. 

أسس الثوار النوادي العمالية والاتحادات النسوية والمطاعم والمدارس المجانية والتعاونيات. ولعبت النساء دوراً كبيراً على المتاريس وفي الحياة العامة، مع أنهن لم ينلن حق الاقتراع، طالبن بالمساواة بين الجنسين وبالاعتراف بالأولاد المولودين خارج الزواج، وبإلغاء الدعارة.

يوم ٢١ أيار بدأ «الأسبوع الدامي» بعد اختراق ١٣٠ ألف جندي من الجيش الجمهوري دفاعات العاصمة معززين بالخيالة والمدفعية. الثوار على المتاريس يقاومون من حيّ إلى حيّ. عندما سقط آخر متراس في باريس يوم ٢٨ أيار، استباح الجيش عاصمة فرنسا العاصية. بلغ عدد الضحايا ١٧ ألف قتيل، حسب الأرقام الرسمية، و٤٥ ألف أسير، نفي ستة آلاف منهم إلى كاليدونيا الجديدة. 

خلال سبعة أسابيع، عاشت باريس في المستقبل. خرج ثوار «العامية» «لاجتياح السماء» (كارل ماركس) ولكن من أجل بناء ملكوت الحرية والمساواة والأخوة على هذه الأرض. وأورثونا الأمل بأنه ممكن.”

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.