1, الأولى
اكتب تعليقُا

السينما الفلسطينية وسؤال الهوية… أيّ أفلام تصنع سرديتها؟

لا يتعلق سؤال “ما هي السينما الفلسطينية؟”، في الإجابة عن هويّتها، بدوَل الإنتاج. تدور نقاشات حول أفلام فلسطينية لا يُذكر اسم فلسطين كجهة إنتاج لها، لا يظهر في خانة “الدولة” الظاهرة برفقة اسم المخرج والكاتب والسّنة وغيرها. أساساً، ليست خانة “الدولة” هذه إحالة إلى الفيلم إنّما إلى الدول المنتجة، أي الممولة، الدول التي تنتمي لها الشركات المساهِمة في إنتاج الفيلم، وليس الفيلم. والتعامل الاستهلاكي مع الفيلم، وحده ما يمكن أن يحيل الانتماء إلى جهة التمويل.

هذه مسألة سينمائية عالمية وليست اختصاصاً فلسطينياً، فمعظم الأفلام في العالم تكون بتمويلات مختلفة، من دول متعددة. تُستثنى منها أفلام هوليوود حيث لا حاجة إلى غير الاستديو المنتج للفيلم، المموّل بحجم يفوق ما يمكن أن تفعله شركات إنتاج مستقلة وحكومية (أوروبية مثلاً) في دولٍ مجتمعة، فتحتكر هويّةَ الفيلم، بالدولارات، لنفسها. لذلك، مثلاً، لا أجد فيلم هاني أبو أسعد «The Mountain Between Us» (٢٠١٧) فيلماً فلسطينياً، ولا مراكِماً كغيره من أفلام أبو أسعد وأفلام آخرين، في ما يمكن تسميته “سينما فلسطينية”. وتلك التمويلات المختلفة من الدول المتعددة، تكون لشركات لها هويتها الوطنية ولا تحدّد هي، بهوياتها، هوية الفيلم كعمل فني له صانعه وموضوعه.

تتحدّد هويّة الفيلم عموماً بمجموع مسائل تكون أهمّها هويّه صانع الفيلم، وهو هنا مخرجه وبدرجة ثانية كاتبه (كانا الشخص ذاته أم من البلد ذاته). وإن تجمّع كل ما عدا ذلك في مكان آخر، تختلف المعادلة. بدرجة مساوية يكون لموضوع الفيلم تأثيره على هويته، الموضوع ومكان الحكاية وانتماءات شخصياتها، لغتها ولهجاتها، والحكاية عموماً. نحكي هنا عن عالَم الفيلم الكلّي.

هل، إذن، فيلم لا يكون بمخرج فلسطيني إنّما بموضوع فلسطيني، يكون ضمن السينما الفلسطينية؟ نعم في حالات ما. هل -لنعكسها- فيلم لا يكون بموضوع فلسطيني إنّما بمخرج فلسطيني، يكون ضمن السينما الفلسطينية؟ نعم في حالات ما. أمّا ما دون السؤالَين هذين، فيصعب إيجاد مخارج لتصنيفه كفلسطيني. إن موّلت -لنقُل- “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” فيلماً عن حركة يسارية في اليابان، أخرجه متضامنٌ فرنسي (هذا افتراض فقط)، يكون الفيلم فلسطينياً؟ لا أستطيع، مهما تهاونت في الحكم، أن أسمّيه فلسطينياً، لأنّي، تحديداً، لا أتعامل مع الفيلم كمنتَج استهلاكي صارفُ المال فيه يحدّدُ هويته.

بالعودة إلى السؤالَين: عن الأول أجيب نعم في أمثلة عديدة، نجدها تحديداً في زمن الثورة. لنأخذ مثالاً الأفلام التي تعرضها منصّة “أفلامنا” اللبنانية هذا الشهر كأفلام من زمن الثورة الفلسطينية: «مئة وجه ليوم واحد» (١٩٦٩) للبناني كريستيان غازي، «الزيارة» (١٩٧٠) للعراقي قيس الزبيدي، «الـمخدوعون» (١٩٧٢) للمصري توفيق صالح، «كفر قاسم» (١٩٧٤) للبنانيّ برهان علويّة، وهي كلّها ضمن حلقة السينما الفلسطينية. أشير هنا إلى البرنامج الممتاز الذي نظّمته “أفلامنا” تحت عنوان “هل كلّنا فدائيون؟” وعرضت فيه إضافة إلى الأفلام أعلاه، فيلمَي الفلسطينيَين مصطفى أبو علي «ليس لهم وجود» (١٩٧٤)، وخديجة حباشنة «أطفال… ولكن» (١٩٧٩).

هذه أمثلة تنفي فكرة أن يكون للفيلم الفلسطيني بالضرورة صانعٌ فلسطيني، فالموضوع الفلسطيني أقوى، لطبيعته، من هوية وطنية ضيقة لفرد (أمثلة غير عربية عديدة تتواجد هنا، أبرزها الألمانية مونيكا ماورور). يمكن، كذلك الإتيان بأمثلة ليست بذلك البعد الزماني والسياقي، خاصة لمن يمكن أن يجادل بأنّ زمن الثورة حتّم وجود أفلام كهذه، لعالمية فكرة الثورة وتحديداً للبعد اليساري “الأممي” التضامني فيها. بسهولة نجد اليوم أفلاماً، وثائقية تحديداً، يمكن تصنيفها “فلسطينية” لموضوعها وأمكنة حدوثها وشخصياتها. لكن حديثنا هنا ينحصر في، أو يركّز على، الأفلام الروائية.

أفلام كـ «Hanna K» (١٩٨٣) لليوناني الفرنسي كوستا غافراس، أو «Private» (٢٠٠٤) للإيطالي سافيريو كوستانزو، أوت فيلم ثقيل الظل هو «Mars at Sunrise» (٢٠١٤) للأمريكية جسّيكا هابي (الأخيران عرضتهما “منصة الفيلم الفلسطيني” أخيراً) وغيرها، هي أفلام فلسطينية لموضوعها. الأساس في التصنيف أنّي أضع هنا أفلاماً لغير فلسطينيين لا تتناقض مع السردية الفلسطينية، مع ما يمكن لفلسطيني بوعي سياسي في حدّه الأدنى أن يصنعه، وما يمكن أن يدخل في تراكم عمران السردية الفلسطينية، لذلك لا أجدني متشجعاً لتصنيف فيلم كـ «Miral» (٢٠١٠) للأمريكي جوليان شنابل بسذاجته وسطحيته تاريخياً وسياسياً، ضمن سينما فلسطينية، ولا أضع فيلم «A Bottle in the Gaza Sea» (٢٠١١) للفرنسي تييري بينيستي ضمنها كذلك، فالفيلم أقرب ليكون إسرائيلياً ينادي بسلام ظالمٍ بين القاتل والمقتول، بالمعنى الجمعي للكلمة.

القول بسينما إنّها فلسطينية لا يكتفي لا بهويّة صانعه ولا شخصياته. هنالك دائماً تداخل معايير يتوجّب دراستها، لكل حالة على حدة. الأفلام المصرية التجارية المبتذلة التي تناولت القضية الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، كانت ربّما الأسوأ في ما قارب فلسطينَ من ناحية “تضامنية”. هل نعدّها ضمن تراكم السينما الفلسطينية؟ أبداً.

أعود إلى السؤال الثاني “فيلم لا يكون بموضوع فلسطيني إنّما بمخرج فلسطيني، يكون ضمن السينما الفلسطينية؟” لا نجد هذه الحالة كثيراً، إنّما، فيلم هاني أبو أسعد أعلاه مثال واضح على لافلسطينية فيلم لمخرج فلسطيني. يصعب إيجاد أفلام لفلسطينيين لا يكون موضوعها أو شخصياتها بهوية فلسطينية واضحة، فالموضوع الفلسطيني جاذب وغني ومثير وله سطوة (محبَّبة) يصعب تفاديها، عدا عن ملئه بعناصر درامية لا يحتاج صانع الفيلم ذكاءً خاصاً كي يجدها. حتى الفيلم المتواضع «أمريكا» (٢٠٠٩) لشيرين دعيبس، يأتي بموضوع فلسطيني، يبدأ بمكان فلسطيني ويكمل بشخصيات فلسطينية تعيش في الولايات المتحدة، وإن لم يحوِ خصوصية فلسطينية، فيمكن لشخصياته أن تكون أفغانية أو مكسيكية.

ليست هذه قوانين ومهما كانت فهي ليست جامدة، هي أفكار مرنة، ربّما عصف ذهني هادئ ومساهمة في نقاش لا ينتهي حول “ما هي السينما الفلسطينية؟”. قد يصحّ اختصارها، إن كان لا بد، بنتيجة تقول إن أفلام السينما الفلسطينية هي تلك التي تراكم في صناعة سردية الفلسطينيين، صنعها فلسطينيون أو غيرهم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.