1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الأساطير الكبرى» سرد الملحمة الإغريقية من خلال فنونها

تقدّم الأعمال الفنية الدامجة لأكثر من نوع، تجربةً خاصة، تتخطى كلَّ نوع على حدة، في تناوله للموضوع عينه. تتخطاه تجربةً، لا جودةً بالضرورة، تكون تجربة جديدة أو مختلفة عن التقليدية مقدمةً موضوعَها بوسائط هي نتاج دمجها بغيرها. من هذه الأعمال هو المسلسل التلفزيوني الفرنسي «الأساطير الكبرى» (Les grands mythes، ٢٠٢٠) المعروض حالياً على قناة ARTE.

للمسلسل جزآن: «الإلياذة» و«الأوديسة»، لكل منهما ١٠ حلقات، بمعدل ٤ ساعات لكل منهما، ما يعادل فيلماً طويلاً بجزأين مجموعهما ٨ ساعات. نقول فيلماً طويلاً واحداً باعتبار الكتابين/الجزأين هما فعلاً حكاية واحدة يتبع أحدهما الآخر زمانياً، بسياقات وشخصيات وتتالي أحداث هي ذاتها.

هذا الزمن الذي يقدمه المسلسل لملحمة الإغريقي، هوميروس، غير مسبوق فيلمياً (سينما وتلفزيون) بحدود معرفتنا. وضخامة الملحمة، بكتابَيها، تتطلب استطالة كهذه (أو أطول) في تناولها كذلك، وهو ما جعل العديد من هذه التناولات، وكانت أفلاماً في معظمها، اختصارات للملحمة في حصار طروادة واقتحامها بالحصان الخشبي، اختصاراً لأحداث الإلياذة، أو رحلة مختصَرة لعودة عوليس إلى إثاكا بمغامرات مخفَّفة للأوديسة.

قبل الخوض في الدمج بين الأنواع، وهو ميزة للمسلسل تفوق أهمّيةَ مدّته، نبقى في التناول الزماني للملحمة، ومهما استطال يبقى قاصراً. نجده في أفلام ومسلسلات هي أولاً قصيرة لأسباب تسويقية، فيتجنب المنتجون والموزّعون الإطالة مهما كان العمل، وهي ثانياً، ولذلك ربما، تتناول فصلاً من هذه الملحمة، إما تكون في حرب طروادة أو رحلة عوليس، تفاصيل من هذه أو تلك. وجميعها روائية بممثلين وديكورات وغيره.

ما يميز المسلسل أكثر من الزمان المتاح للحكاية/للملحمة، في «الأساطير الكبرى» (أتى بكتابة وإخراج جماعي)، هو دمجه بين الأشكال الفنية الثلاثة التي تناولت، مسبقاً الموضوع. هو أولاً مسلسل تلفزيوني، ينقل بالصوت والصورة، وهذا جانبه الفيلميّ، هو ثانياً مبني على نص خارجي، مسموع بصوت راوٍ، فلا حوارات فيه، كأنّ أحدنا يقرأ/تُقرأ له الحكاية بمفرداتها، كنصّ أدبي، وهو ثالثاً -وهي النقطة الأهم- أرفق الكلمات المحكية بصور هي لأعمال الفنية التي تناولت الحكاية على مر القرون. لوحات وتماثيل، إغريقية وكلاسيكية ولاحقة حديثة، أظهرها المسلسل أثناء سرد الحكاية، تصوّر المفاصل والفصول التي تُروى، مرفقة بمشاهد أنيمايشن. يخرج أحدنا أخيراً مستمعاً للحكاية مقروئة على مسامعه، رابطاً ذهنياً بين صور لأعمال من التراث الإنساني تناولت الملحمة وبين الحكاية بكلماتها، كأنّ أحدنا يسمع في متحف شرحاً لوحة أو تمثال أمامه، وذلك كله بتجربة فيلميّة (تلفزيونية) أضافت إلى صور الأعمال الفنية تمثيلاً تقنياً حديثاً لبعض الأحداث.

ليست إذن مشاهدةُ المسلسل تجربة تلفزيونية وحسب، بل هي تعرّف إلى تناول الملحمة فنياً في التراث الإنساني، وهي روايةٌ للملحمة بأسلوب أدبي، كأنّ أحداً يقصّ على آخر، قارئاً من كتاب.

عموم التناول لملحمة هوميروس سينمائياً/تلفزيونياً كان محدوداً، لكنه كذلك لا يكمل بعضه، مما جعله نسخاً عدّة لجزء صغير من حكاية طويلة. أذكر منها The Odyssey، ١٩٩٧، للروسي أندريه كونشالوفسكي، وهو مسلسل أمريكي يقارب ٣ ساعات، وقد يكون أفضلها. يبدأ من نهاية الإلياذة ومعركة طروادة وينقل مراحل من رحلة عوليس، منتهياً بما يتبع وصوله إلى جزيرته إيثاكا. فيلم آخر يحكي التفاصيل ذاتها تقريباً، إنّما سريعاً جداً، هو Ulysses، ١٩٥٤، فيلم أمريكي للإيطالي ماريو كامريني، ليس متميزاً بما يمكن ذكره هنا. ومسلسل لا يبدو متاحاً للمشاهدة، هو The Odyssey، ١٩٦٨، وهو بإخراج جماعي وللتلفزيون الإيطالي. كذلك، نجد للإلياذة أكثر من فيلم يمكن مشاهدته. هنالك Troy، ٢٠١٤، هو أمريكي للألماني وولفغانغ بيترسن، وينحصر الفيلم بالتحضير لحصار طروادة وبحربها إلى نهايتها، في ما يمكن بأقل من ٣ ساعات أن تحمله. وباسم Helen of Troy، هنالك فيلمان، ١٩٥٦ و ٢٠٠٣. بحث سريع سيوصل إلى عدة أفلام ومسلسلات (منها ما نجده على منصات الستريمينع) قد يكون معظمها، جديد وقديم، رديئاً أو تجارياً بالمعنى التام للكلمة.

هذه نماذج يمكن أن تعطي فكرة عن تناول السينما والتلفزيون للملحمة، لكنها، جميعها، كانت روائية وقصيرة تناولت جانباً أو تفصيلاً أو قسماً، هي تتشابه بذلك في طرحها للملحمة وقد يتمايز أسلوب الإخراج والتصوير وقليلاً السرد. المختلف عنها هو «الأساطير الكبرى» الذي قدّم جانباً من الملحمة هو فنّي، بلوحات وتماثيل مرفقة بأنيمايشن. وسرد قصصي واستطالة زمانية ضرورية فاقت التناولات السابقة للملحمة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.