1, الأولى
اكتب تعليقُا

الفيلم كمنتَج معولَم، والعالم كمشاهدين فلسطينيين

طرحت الظروف المرافقة للوباء، أمام المشاهدين، ظروفَ مشاهَدة جديدة، بدت، لوهلة ما، طارئة، إنّما، كما تشير أرقام حول شيوع أفلام منصّات الستريمينغ، ومعها تفاعل النّاس/المشاهدين مع “مهرجانات” افتراضية وإتاحات لأفلام على الإنترنت، نرى أن لا طارئ هنا، وأن الحال كما كانت عليه خلال العام البائس، ٢٠٢٠، مستمرة نوعاً ما، فيما يتعلق بطبيعة المشاهدة للأفلام، لكن هذا الكلام يخص الحالات الطبيعية للسينما في العالم، وليس في بلد لا عادة مشاهدة سينمائية فيه، كفلسطين.

لنبقَ في الحال الطبيعية للسينما، وهي ما قبل الوباء وفي العالم، حيث كان لكل سينما جمهورها المحلي الذاهب إلى الصالات حال نزول الفيلم، للمشاهدة والنقاش ربّما، بحضور القائمين على الفيلم، ثم قراءة مراجعات وتعليقات نقدية في الصحافة المحلية/الوطنية في اليوم التالي أو خلال أيام وأسابيع. هذا ما نجده في بلدان حيث العلاقة الثلاثية صحّية حول الفيلم، بين صنّاعه ومشاهديه ونقّاده. وأساس كل ذلك هو “المحلية”، أي العرض المحلي، الجمهور المحلي، النقد المحلي.

قبل الحديث عن الحالة الفلسطينية، لا بد من توضيح التغييرات التي أتى بها الوباء، أو وسّع من مساحتها، وهي إعادة صياغة تلك المعادلة مسقِطاً منها عنصر المحلية. فيكون الفيلم، متى بدأ عرضه في إحدى هذه المنصات، عالمياً، أو، للدّقة، معَولَماً، إذ لا جمهور محلي، بل مشاهدين أفراد هم بمجموعهم جمهور عالمي خارجي في غالبه، يتلقى، في اللحظة عينها، الفيلمَ كجمهور أوّل.

هذه الحال التي أوجدتها المنصّات، والتي عزّزها الوباء، والتي محت التلقّي المحلي الأول والمتدرّج للفيلم، مقابل التلقي العالمي الأوحد له، جعل من الفيلم منتَجاً استهلاكياً عالمياً ومتماثلاً (ألا تتقارب معظم أفلام/مسلسلات هذه المنصات في الموضوع وطريقة السرد والتصوير وبناء الشخصيات وحتى إقحام الفلاشباك في كل مناسبة؟)، فيكون هذا نسخة إسبانية عن ذلك الإنكليزي أو الأمريكي أو أي آخر. نحن هنا أمام مطاعم “متعددة القوميات” بوجبات متماثلة (بالروائح ذاتها، كما هو حال سَبْواي) وبتكييفات طفيفة.

هنا، في فرنسا، حيث يحمي النّاس ثقافتهم المحلية/الوطنية، قدر الإمكان، دارُ الأوبرا محاطة، حرفياً، بمتاجر أبّل وزارا ومانغو وسيفورا وإيتام، وستاربكس بأكثر من فرع، وغيرها معلوماً ومجهولاً، وكلّها كمواطئ استهلاك تحتلّ الفضاءَ الذي أعطى مبنى الأوبرا، معنوياً ومادياً، له مكانتَه، أو طابعَه. هنا في فرنسا طرحت ماكدونالدز، في صيف عام الوباء البائس ذاته وبإعلانات ملأت الشوارع، برغراً خاصاً بالبلد وثقافته، حيث البرغر بلاستيكي الطعم والرائحة ذاته، إنما يكون بخبز الباغيت الفرنسي الشهير (والاستثنائي)، وهو أحد الرموز الفعلية لفرنسا أكثر مما هو جان جوريس أو جان بول سارتر. أتت ماكدونالدز بهذا المنتَج، في إعلان هو أنّها، واسمها “ماكباغيت”، موجودة فقط في فرنسا، وليس (انتبهوا إلى هذا الامتياز “المحلي” أيها الفرنسيون) في أي مكان آخر في العالم.

أتى الإعلان بنسخٍ عديدة، معطياً الفرنسيين حجةً “محلية” مقابل واقع ماكدونالدز المعولِم/المعولَم، فكانت إلى جانب صورة “الماكباغيت” عبارات مثل”في ستراسبورغ وليس في سنغافورا، في باريس وليس في باري، في بوردو وليس في بورنيو”…، وآخر يقول “نعتذر، موجودة في فرنسا فقط”، في تزييف لوعي المتلقي (للصورة/الإعلان وللبرغر) على أنّه يتناول منتَجاً محلياً، وهو، فوق محليته، غير متوفر خارج الحدود القومية.

بالعودة إلى الأوبرا، وليس اختيارُها هنا عشوائياً، فلا مصير ينتظرها، كما هو حال السينما، بالقدر الذي يمكن للعقل أن يتصوّره. لها حصانة أن يكون الجمهور المحلي عنصراً أساسياً من العملية برمتها، كما هو المسرح. والفرق بين مشاهدة عرض أوبرا عبر الشاشة، مهما كبرت في السينما أو صغرت على التليفون، قد تكون الأسوأ بالمقارنة مع مثيلات لها، كمشاهدة مسرحية أو مباراة كرة قدم، عبر أي من هذه الشاشات مقابل، مشاهدتها في أمكنتها بشكل حي. السينما لم تكن كذلك تماماً، لطبيعة عروضها، وأصبحت، لطبيعة العروض كذلك، بعيدة، جداً، عن جمهورها المحلي الذي صار المستهلكَ ذاته في كل العالم إنّما بتفاوتات سطحية هي في شكل الاستهلاك، كتبديل الخبز للبرغر مثلاً، فيكون المستهلِك واحداً، المنتَج واحداً، والمساحة هي العالم كلّه.

نعود إلى فلسطين، حيث ألغت طبيعةُ الاحتلال وظروفه حالةَ التلقي المحلي للأفلام، الفلسطينية تحديداً، فأتت هذه الأفلام إلى جمهورها، المحلي افتراضياً ونظرياً، بصيَغ أفلام مُعدَّة في الخارج، للخارج، لتلقٍّ أوّلَ يكون في مهرجانات وصالات في أوروبا تحديداً، فيعرف “ابنُ البلد” عن الفيلم من خلالها، يعرف عن ردود الأفعال في الصحافة الأجنبية أولاً، وهذا كذلك من بين ما يجعل صنّاع هذه الأفلام متلهّفين للآراء الأجنبية الموجِّهة، بشكل ما، دفّةَ الآراء المحليّة غير المطّلعة، بعد، على المنتَج، وغير المتاح لها تقييمه ونقده. كأنّنا ننتظر رأياً فرنسياً بسندويشة الفلافل أو الشاورما لمطعمٍ ما،  لنشكّل مذاقها في أذهاننا.

منصّات الستريمينغ تلغي (كي أبقى متفائلاً لا أقول “ألغت”) طبيعةَ المُشاهدة المحلية للفيلم، محوّلةً إياه إلى منتَج عالمي راهن في كل العالم، تماماً كما يمكن أن تطلق ماكدونالدز منتَجاً جديداً يتكيّف مع كل بلد مستفيدةً من عناصره المحلية لصنع وتسويق المنتج العالمي (تاكوس وإمباناداس مثلاً في أمريكا الجنوبية)، كما يجلس أحدنا، في كل العالم، أمام التلفزيون لمشاهد الفيلم ذاته بترجماته ودبلجاته، عربية هنا وفرنسية وإسبانية، وبرتغالية (برازيلية)، في بلدان أخرى.

كأنّ العالم كلّه صار، في ذلك، فلسطين، حيث لا يهم إن كان للفيلم جمهوراً محلياً. فتَشاركَ الفلسطينيون وكل العالم الموبوء والمحجور، في ما يشاهدونه وكيف يشاهدونه. لم تأت السينما إلى الفلسطينيين، بل ذهب هؤلاء إلى التلفزيون، لحقوا بالعالم في حالته الجديدة، كواحدة من ظواهر الوباء المعولِمة/المعولَمة الـ -وهذا ما نتأمّل أن تغيّره وقائع ما- طارئة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.