1, الأولى
اكتب تعليقُا

الحداثة الباكرة والزمن الفلسطيني المقطوع

ما هو بعد النكبة ليس كما هو قبلها. هذا إدراك فلسطيني عام ينطبق على المجالات الحياتية كافة، وهو مكوِّن أساسي للهوية الفلسطينية اليوم. حدثٌ انعطافي في حياة شعب، كانت له آثاره التراوميّة على من بقي منه في أرضه وتحت حكم عسكري، وعلى من تهجّر وعاش حياة المخيمات، وذلك في السنوات اللاحقة لعام ٤٨. امتدت الآثار تلك إلى أن تشكلت خلايا ومن ثم تنظيمات الثورة الفلسطينية، لتكون هي كذلك مكوّناً أساسياً للهوية وثانٍ، بل ناتج عن المكوّن الأول، النكبة.

على إثر الثورة الفلسطينية المعاصرة تتالت المكوّنات لهذه الهوية الحديثة بالمعنى الزمني، إنّما الحداثية في بعضها بمعنى موضوعي وثقافي. تتالت لتكون منها انتفاضةُ الحجارة، ولأن الهوية ليست يوتوبيا، ستكون منها اتفاقيةُ أوسلو، بأثر قَطعي نسبياً كما كانت النكبة، إنّما على مراحل. وكلّ هذه المكوّنات ناتجة عن السابق لها. لكن، والحال هذه، شكلت النكبةُ قطيعةً لهذا كله مع ما سبقها، كأنّها حادثةٌ أودت بالناجي منها، إلى حياة أخرى بادئاً إياها من الأول.

عن الحداثة بمعناها الثقافي وما قبل النكبة، ذلك العالم “الآخر”، كان الكتاب الصادر أخيراً عن “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” «المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة»، لماهر الشريف، مغطياً الأعوام ما بين ١٩٠٨ و١٩٤٨. يجيب الكتاب، في مجمله، عن سؤال الحداثة الناشئة لدى الفلسطينيين ما قبل النكبة، أو لدى نخبهم المثقفة، منتقياً بعض هؤلاء كنماذج، وكتاباتهم -مقالات ومذكرات ويوميات ورسائل وكتب- كأدلّة على حداثة هؤلاء وطرحهم، في زمن الاستعمار البريطاني الذي مهّد الطريق لإقامة دولة إسرائيل، قاطعاً بذلك، الاستعمارُ، أي تطوّر أو امتداد زماني لهذه الحداثة التي أعادت تشكيل ذاتها، بظروف ومحرضات مختلفة، بعد سنوات بما صار اسمها الثورة الفلسطينية، لكنها كانت حداثة ثورية انفعالية نضالية مسلّحة، ما أعاق، في سياق محتدم ومتوتر كهذا، التراكم والتطور التلقائي والهادئ لهذه الحداثة، وما كرّس، أكثر، القطع الذي أحدثته النكبة مع ما قبلها. فلم يكن بناة الهوية الثقافية والوطنية الفلسطينية منذ بواكير القرن العشرين، ومنهم النماذج في هذا الكتاب: خليل السكاكيني، نجيب نصار، محمد عزة دروزة، محمد روحي الخالدي، إميل توما، سليمان التاجي الفاروقي، إسعاف النشاشيبي، فؤاد نصار وآخرون شكّلوا من خلال كتاباتهم، على تفاوت مرجعياتهم مع غلبة للميول القومية العربية، الهويةَ الفلسطينية، بل حداثةَ هذه الهوية مع أفكار هي، كما لدى السكاكيني مثلاً، شديدة التقديمة حتى بمعايير اليوم، بعد قرن من طرحها في يومياته ورسائله، في نواحٍ متراوحة بين التعليم الوطني ومنهجياته، والموقف من الاستعمار والصهيونية ومن اليهودية، والعلمانية والموقف من الدين، ومسائل أخرى كالصحافة ودورها الوطني، وسياسية واجتماعية غيرها، طرحَها الكتاب من خلال أفكار هؤلاء.

لا يقدّم الكتاب قراءة نقدية لتلك المرحلة، بل عرضاً هو بمثابة الدّليل على قول إنّ مشروعاً حداثياً فلسطينياً كان في طور النشوء عشيّة النكبة، أو في زمن الاستعمار البريطاني، وإنّ هذا المشروع المتقدّم، بكل جوانبه، اغتيل مع تأسيس دولة إسرائيل وتشتيت الشعب الفلسطيني الذي ما إن فاق من صدمته حتى أعاد تشكيل الهويّة الوطنية والثقافية التي كانت أسماءٌ منها غسان كنفاني وناجي العلي ومحمود درويش وإميل حبيبي وإسماعيل شموط وغيرهم، مؤسسين لها، لكن دون استمرارية لمؤسسي الحداثة الفلسطينية الأوائل كما قرأناهم في الكتاب، وذلك لأسباب موضوعية كما هي ذاتية، وكلّها تحوم حول النّكبة كحادث عنيف أودى بالفلسطينيين لسنوات في حالة تراوما استفاقوا منها بثورتهم المعاصرة.

يثير هذا الكتاب لدى قارئه سؤالاً يشير، بمجرد طرحه، إلى الترّدي الذي وصله الفلسطينيون اليوم. هو تردٍّ وطني كما هو ثقافي. هو ذاتي خاص بهم وهو موضوعي يتخطّاهم إلى قومهم، العرب، وإلى انحسارٍ عام لمفاهيم الحداثة مقابل ردّة الغيبيات وتحديداً الدين. السؤال المثار يحوم حول مفاهيم ودون تسميتها كذلك بالضرورة، هي العلمانية والديمقراطية والمواطنة والوطنية، وحول مكانتها اليوم في الذهن والممارسة الفلسطينيين. وكل الحزن يساورنا حين ندرك أن التقدم الزماني، عن هؤلاء -والحديث زمانياً هنا يعني قرناً كاملاً- لم يرافقه تقدمٌّ حداثي ولا ثقافي، ولا حتى مراوحة، فنحن متأخّرون عن زمن أوائل الحداثيين الفلسطينيين هؤلاء، في المفاهيم المذكورة كلها، وإن شهد زمن الثورة الفلسطينية المعاصرة حداثة موازية إنّما حدَّ منها الظرفُ الثوري الكفاحي والطارئ الذي نشأت فيه .

نحن في حال اليوم لا يجعلنا “رجعيين” بالرجوع مئة عام إلى كتابات هؤلاء، بل، وفي المجتمعات الفلسطينية على شتاتها، لا بد للتقدم، من الرجوع إلى هؤلاء، مؤسسي ما أمكن أن يكون حداثةً متقدّمة عربياً وعالمياً في تطوّرها الطبيعي إلى اليوم، لو لم يُقطَع الزمنُ الفلسطيني عام ١٩٤٨.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.