1, الأولى
اكتب تعليقُا

مارون بغدادي وفيلمه اللبناني الطويل

كي نفهم، أكثر، الحالة الاجتماعية والسياسية الراهنة، لأي بلد، يمكن للعودة إلى أفلام هذا البلد الأولى أن تقدم اقتراحاً أو مدخلاً لذلك، وكلما كان البلد في وضع مضطرب أكثر، وكلما كان هذا الاضطراب مزمناً، ما يعني امتداده، من زمن تلك الأفلام، منذ ما يقارب نصف قرن تقريباً -مثلاً- إلى زمننا الراهن، زادت كفّة تلك الأفلام، وزادت الحاجة إلى العودة إليها، لفهم لا ما وصل إليه البلد اليوم كمرحلة منفصلة عن سابقتها، بل لفهم السيرورة التي أودت بالبلد إلى ما هو عليه اليوم. وهذا ما نلمسه بمشاهدة أفلام اللبناني مارون بغدادي اليوم.

المخرج اللبناني (١٩٥٠-١٩٩٣) الذي عاد من باريس إلى بيروت بإرث “الموجة الجديدة” الفرنسية في روائياته، وبتأثير السينما السوڤييتية في وثائقياته وأسلوب سيرغي أيزنشتاين منها تحديداً، وبموقف سياسي منحاز إلى الحركة الوطنية اللبنانية وما تمثله، أنجز فيلمه «بيروت يا بيروت» عشية الحرب الأهلية اللبنانية، ١٩٧٥، لا تنبّؤاً بالحرب كما قيل مراراً، فلا السينما ولا أي نوع من الفنون يمكن أن يدّعي ذلك، بل استشرافاً، كوّنته الملاحظة الثاقبة المتراكمة لأحوال المجتمع اللبناني آنذاك، وهو ما أودى به إلى ما هو عليه اليوم.

فيلمه الروائي الطويل الأول، هذا، رسم الخط الإنساني والسياسي وكذلك السينمائي لبغدادي، بادئاً برحلة سينمائية تنتهي بحادثة رحيله العبثية الأشبه بمشهد من فيلم له، فليكن أحد أفلامه الأخيرة «خارج الحياة»، ١٩٩١، حيث الأحداث العبثية والجارية على حافة الموت، لمصوّر صحافي فرنسي مختطف في لبنان. كأنّه، بغدادي، بما رُويَ عن سقوطه عن الدرج وموته وقد بقي لأيام ينزف دون معرفة أحد به، كأنّه روى بنفسه، بقدَره، المصيَر الذي مهّد له لبنان الذي نشاهده في أفلامه، وهو لبنان ذاته الذي استمر في واقع مواطنيه إلى اليوم، يوم انفجار مرفأ بيروت مثلاً.

في «بيروت يا بيروت» يبحث بغدادي عن الحب في حالة تعصف بلبنان ما قبل الحرب الأهلية، بثقلها على التفاصيل الحياتية العادية في هذا البلد، إلى يومنا هذا. يبحث عن الحب في بلد متوتّر تسوده الطائفية والطبقية، والخطف كممارسة روتينية، المدينة والقرية فيه على طرفي نقيض، والقومية العربية تحوم في شوارعها بأملٍ في مجموعة من الشباب الوطنيين اليساريين، يسعون إلى إخراجه مما يرونه، ويراه بغدادي بفيلمه، ذاهباً إليه. المقهى الشعبي على البحر يُزال للعَمارة “الحديثة” التي ماتزال تخرّب البلد إلى اليوم، يُزال ومعه ملصقات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على جدرانه، المقهى معقل الشباب الساعي لحماية سكّان بناية من الإخلاء، بقرار تمتزج فيه سلطات الإقطاع والدولة، كما هو لبنان اليوم. هذه التركيبة التي لاحظها بغدادي منبّهاً إلى حرب أهلية طبقية الطابع، وزامنه مهدي عامل في الكتابة النظرية عن هذه الحرب وهذه الطبقية، وهو الآخر -أحد أبرز المثقفين الماركسيين العرب- رحل بشكل مباغت إنّما باغتيال صريح، أتت -التركيبة- كملاحظات متراكمة بأبعادها الاجتماعية والسياسية وفي سياقها التاريخي، لسينمائي اختار الانحياز إلى إنسانيته، وبتجسيد هذا الانحياز بخيار سياسي كان بارزاً آنذاك.

كما في «خارج الحياة» (جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، ١٩٩١) حيث صوّر لبنان كحالة من “رهاب الاحتجاز” (كلستروفوبيا)، وقد امتد الفيلم، على طوله، في الحالة النفسية للمصوّر الفرنسي المختطَف والمتحجَز، كرهينة للاستبدال. لبنان هنا، غير القادر على الخروج من تلك الحالة، وقد صُوّر الفيلم إثر الحرب الأهلية التي ظنّ العالم أنها انتهت مع اتفاق الطائف عام ١٩٨٩، لبنان هنا، كأنه كلّه لن يخرج، بسهولة أو بسرعة أو باستساغة، من حالة الخطف والاحتجاز تلك.

كما في هذا الفيلم، صوّر بغدادي في غيره هو «حروب صغيرة»، ١٩٨٢، الحياة “العادية” للحرب هناك، في نظر فتاة لبنانية عادت إلى بلدها من باريس لتجد أن العادية هناك هي في الخطف والاغتيال والحروب “الصغيرة” المتراكمة المتجمّعة لتشكّل الحرب الكبيرة في البلد، بأطرافها “الصغار” واللانهائيين.

الأفلام الروائية الثلاثة هذه، تبدو معاً مشهداً واحداً متوالداً من ذاته ممتداً إلى لا نعرف أين ولا متى، مشهداً واحداً من “فيلم لبناني طويل”.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.