1, الأولى
اكتب تعليقُا

الوباء في مراحله… المعبر إلى العالم الآخر

لأن الحياة ليست أدباً، هي لا تنتهي. هي ليست رواية لها فصول أخيرة ولا كتاباً له غلاف خلفي. قد يتساءل قارئ عن إمكانية توالي روايات لبعضها. الحياة تستمر بعد الانتهاء من الصفحة الأخيرة في رواية ما، تكون ديستوبية، فيبعث إغلاق الكتاب على راحة محقَّقة. تكون الرواية كابوسية منتهية تشبه عالمنا اللامنتهي، فرغت صفحاتها وبقينا، نحن قرّاء وأحياء، عالقين في ديمومة لحالة الديستوبيا التي نعيشها، المتطوّرة في مراحلها. هذه المراحل قد نجدها في روايات أخرى، كأنّها، الروايات، تستلم العوالم من بعضها لتسرد فيها حكايات جديدة، تتلو، والحال هذه، التي سبقتها، لتحكي، معاً، عن عالمنا، نحن القرّاء.

يقارب العام على نهايته، لكن لا يبدو هذا الشتاء (ديسمبر) فصلاً أخيراً من الحكاية التي بدأت، لنقُل، في يناير حيث تُقدَّم الشخصيات والسياقات، تتفاعل لتتطوّر لنصل إلى أحداث تبدأ في فصل الربيع مع بدء تفشي فيروس كورونا في معظم دول العالم، لندخل معه في متن الرواية (العام ٢٠٢٠) التي ستقدم مساحة للتأمل أو سرداً خارجياً أو حبكات فرعية أو التقاط أنفاس أو مهما يكن، في فصل الصيف، لندخل في تعقيدات جديدة مع الخريف ومتواصلة حتى اليوم. فكان أن قرأنا مقاربات عدّة، للحكاية من بدايتها، للوباء من بدايته، كانت من خلال رواية «العمى» للبرتغالي جوسيه ساراماغو وانتهت، القراءات، عندها، كأن حياتنا كتاب بغلاف أخير. قارئ الرواية يدرك أن زمن الوباء الذي عشناه، بدا في الربيع كتطبيق حياتّي لها، لا نعرف إلى أين ستصل حياتنا من بعده. وإن كانت للرواية نهايتها المتفائلة، يبقى للحياة انحرافاتها واستطالاتها واستتباعاتها الخاصة فيما يخص نهاياتها. لم تنتهِ الجائحة ومايزال الوباء في الأجواء.

تفشي الوباء، وهو في الرواية العمى، تعاملُ السلطات معه، الحجر الصحي، وخلال ذلك كله الهلع المتفشي كأنّه وباء آخر موازٍ. كلّها عشناها مع فيروس كورونا وقرأناها في الرواية. لكن، في ما قرأناه، هنالك نهاية، خلاص، راحة ختامية، من كل الكابوس الذي عشناه مع شخصيات ساراماغو، بخلاف حياتنا التي أكملنا بها فصلاً جديداً كان مع روايات أخرى، أتت لتختم ما بدأته «العمى».

في الرواية الديستوبية، ستخرج الشخصيات من كابوسها الواقعي، من العمى إلى الرؤية، بل إلى الرؤيا، فنقرأ في حوار: “لا أعتقد أننا صرنا عمياناً، أعتقد أننا عميان أصلاً”، “نحن عميان لكننا نرى”. “عميان بوسعهم أن يروا، لكنهم لا يرون”. تخرج الشخصيات إلى إدراك لعالم جديد هو ما بعد الوباء. نقرأ: “قال أولئك الذين استرجعوا بصرهم وأولئك الذين بدأوا يرون، “أستطيع أن أرى، أستطيع أن أرى”، القصة التي قال فيها الأشخاص، “أنا أعمى”، تبدو حقيقةً كأنها تنتسب إلى عالم آخر.” تدخل الشخصيات في نهاية الرواية عالماً جديداً كان الوباء بوابةً له، هو ليس عودة إلى عالم ما قبل الإصابة بالعمى، بل دخولٌ متهيّب إلى ما يليه. لن يشبه، أبداً، هذا التالي، ما كان قبل الوباء وما رافقه من حرب أهلية قتّلت الناس وهدّمت العمران. عالم قد نجده في رواية أخرى تستتبع عالمَها، وقد خفّ التّفشى واشتدّت الدولة.

ما الذي حصل إثر تفشي الوباء؟ هنا في فرنسا مثلاً، دخلنا، فعلياً، في رواية أخرى لا تقل ديستوبية إنّما من زاوية أخرى، هي «القلعة» للتشيكي فرانز كافكا. كان ذلك مع انحسار الوباء في الصيف، وكان مع توسّع سيطرة الدولة وفرضها تدريجياً لحالة أمنية، نجحت بها أخيراً، الدولة الفرنسية وكذلك إجمالي دول العالم، وذلك في فرض الحجر الصحي (الإغلاق العام) ثم استسهال إعادة الفرض وربما استمراريته إلى أجل غير مسمى، وذلك مسحوب على حالات الطوارئ وحظر التجول والمخالفات الميدانية والفورية وأحياناً التعنيف العنصري لغير الملتزمين، والتحكم بساعات الخروج والكيلومترات، والتتبُّع التكنولوجي لتنقلات المصاب، وغيرها.

تحوّلت الدولة إلى “قلعة” مسيطرة بشكل تام، تحكّمت بحياة الناس البعيدين عنها، مقرنةً هذا السلوك السلطوي بإجراءات جديدة تتماشى مع حالة الوباء، هي حالة الطوارئ الصحية، أساسها التباعد الاجتماعي بعد الانعزال المنزلي، فكانت، على إثرها، البيروقراطية الإدارية في أوجها، في فرنسا، خلال الصيف، لتكون المعاملات الإدارية كلّها عبر الإنترنت أو التليفون أو البريد، فما كان منها يستغرق أسبوعاً صار، ومع “العمل عن بعد/من المنزل” يستغرق أضعاف ذلك. وفرنسا ما قبل الجائحة أساساً، دولة بيروقراطية بامتياز.

نقرأ في «القلعة» ما يمكن أن يلخّص -مجازاً- “الكافكاوية” الفرنسية/العالمية محيلاً إياها على عامنا الموبوء هذا: “في مثل هذه الإدارة الضخمة… قد يحدث أن أحد الأقسام يصدر أمراً، وقسم آخر أمراً آخر، ولا علم لهذا بذاك. صحيح أن الرقابة العليا غاية في الدقة، لكنها بطبيعة عملها تأتي متأخرة، وهكذا قد ينشأ اضطراب ما، وهذه كلها دائماً من صغائر الأمور مثل مسألتك.”

العلقة الإدارية في هذه “القلعة”، الاضطراب المتكرر، نما كالفطر في دول العالم مع حالة تفشي الوباء وفرض الدولة للإغلاقات العامة. الاغتراب الذي عاشه ك منذ وصوله إلى القرية التي تطل القلعة عليها، وانعزاله هو وأفراد المجتمع عن بعضهم، حالة التأهب لخبر لا يأتي، ثم لأي خبر، في ظل التعتيم التلقائي والتام من قبل القرويين، في ظل الجهل التام بأساليب تحكّم “القلعة” (الدولة) بكل صغيرة وكبيرة في حياتهم، عشناه بتفاصيله. وكانت السلطة القمعية مستقرة، ممارساتها البيروقراطية صارت عادية، متوقَّعة، فلا تَناقض بين أن “الرقابة العليا في غاية الدقة” وبين “قد ينشأ اضطراب ما”، علماً أن هذه الاضطرابات تسيطر على حياة القرويين، تشلّها، هذا كلّه عشناه كما قرأناه، بالموازاة مع تفشي الوباء، وهذا كلّه من سمات الدولة الشمولية.

نقرأ في موقع آخر: “لقد تربيتم هنا على تهيب السلطات منذ الطفولة، ويستمر زرعه فيكم طوال الحياة بشتى الطرق ومن جميع النواحي، وأنتم أنفسكم تساعدون في ذلك ما استطعتم. إلا أني لست ضد هذا الوضع، ففي حال كانت السلطة جيدة، لماذا لا يهابها المرء.”

يعرّف قاموس “بينغوين” للفلسفة “الديستوبيا” بأنّها: وصف خيالي لظروف سياسية واجتماعية، تكون القصة غالباً حراكات أو تطورات سياسية واجتماعية تَعد باليوتوبيا وتوحي بالأمل، لكنها تنتهي باليوتوبيا معكوسةً.” تعد هذه السلطة أو تلك باليوتوبيا فقيول أحدهم إنّها “جيّدة” ولا بأس بمهابتها، خاصة إن “تربينا” على ذلك وتقبّلناه. لكن هذا ما يمكن تسميته بالطاعة السلبية التي لن تكتفي بها السلطات متى انتقلت في قمعيتها إلى مرحلة جديدة، وهذا ما يحيلنا إلى جورج أورويل، وما يمررنا إلى المرحلة التالية أو الرواية المكمّلة لـ «القلعة» في سياق ما نعيشه اليوم، وهو ما يمكن أن نعيشه لاحقاً.

الوباء الذي عشنا، وما نزال، في «العمى» والذي استمر في «القلعة» كحالة تالية لتفشيه، موازية له، كاستجابة الدولة السلطوية (في فرنسا والعالم) الساعية لفرض حالة بيروقراطية تقَونن قمعيّتها، وهو ما نعيشه اليوم، قد لا ينتهي هنا، مع الفصول الأخيرة لرواية كافكا الذي مات قبل أن ينهيها، كأنّ لا نهاية لذلك، كأنّ عامنا هذا، وعالمنا، الذي بدأ مع تفشي الفيروس كحالة مطابقة لـ «العمى» لا ينتهي مع «القلعة» التي، بعدم إتمامها، تحيلنا إلى استمرارية أمكن لها أن تكون في رواية الإنكليزي جورج أورويل «١٩٨٤»، وهو ما لا نتمناه.

رواية أورويل هي المرحلة التالية للدولة في رواية كافكا (أقولها متشائماً مترقّباً ديستوبيا قرأناها ولم نعشها بعد). هي التحوّل الطبيعي للبيروقراطية (الدولة البوليسية البعيدة) إلى دولة بوليسية (قريبة) تقمع بالحديد لا بالأوراق. فرنسا اليوم، مثلاً، تتجه إلى البوليسية بكل ثقة، ضاربة عرض الحائط “حريتها، مساواتها، مؤاخاتها”، من خلال الإجراءات الملازمة أو المزامنة لتفشي الوباء، من خلال قانون “الأمن الشامل” الذي يحظر تصوير أفراد الشرطة، من خلال خطاب يعزز الإسلاموفوبيا، من خلال ممارسات الشرطة العنيفة والمتكررة أخيراً، من خلال انحدار السياسات نحو اليمين المتطرف، وهذه وغيرها تطورات تتلو الحالة شديدة البيروقراطية التي عاشتها فرنسا هذا العام، بما في ذلك حمل الناس على تقبّل وتعوّد حالات الحجر الإلزامي وحظر التجول الليلي ومنع التجمعات وبالتالي المظاهرات.

نقرأ في «١٩٨٤» ما يقوله المعذِّبُ -أو الدولة- إلى الشخصية الرئيسية: “أنت خلل في النموذج يا ونستون. أنت غلطة لا بد من إزالتها. ألم أقل لك الآن أننا مختلفون عن مضطهدي الماضي؟ نحن لا نرضى بالطاعة السلبية، ولا حتى بأكثر أنواع الخضوع خسة. وعندما تستسلم لنا آخر المطاف، يجب أن يكون ذلك نابعاً من إرادتك الحرة.”

حتى درجة القمع في «القلعة»، وهي بمثابة استجابة (مازلنا نعيشها) للوباء الذي كان في «العمى»، لم تعد تجدي في دولة كما في «١٩٨٤»، دولة تلبّست القمعَ كسياسية للتحكم بالفوضى المفترَضة، بتفشي الوباء المودي، افتراضاً، إلى ثورات رفض. ألم تلحق “الانفلونزا الإسبانيةَ” التي استمرت لسنتين، في عشرينيات القرن الماضي مرحلةُ “الكساد الكبير” في الثلاثينيات، فصعود الفاشيات حتى الحرب العالمية الثانية في الأربعينيات؟

كأنّ المعذّب (ممثل الدولة) أعلاه، يحكي عن مرحلة تالية لمرحلة “الطاعة السلبية” للدولة، وهي مرحلة “قلعة” كافكا، التي تلت تفشي الوباء الذي قيل كثيراً عن تغيّر العالم من بعده، عن تفشي البوليسية والشمولية في دول العالم من بعده، وبالموازاة معه. هي مرحلة قد نصل إليها يوماً.

فقرة صغيرة من مقالة كتبتها الروائية الهندية أرونداتي روي ونشرتها “فاينانشال تايمز” مع الذروة الأولى للوباء، في إبريل، لخّصت في حينه العنف السلطوي والبوليسي الذي شهدته الهند والعالم، وانتهت بما يمكن أن يلخص ما تريده مقالتي هذه قوله في تتالي الحالات المرعب (أو تتالي حالات الرعب) الذي نعيشه، تقول: “تاريخياً، أجبرت الأوبئة النّاسَ على القطع مع ما سبق وتخيّل عالمهم بشكله الجديد، هذا الوباء ليس استثناءً. هو بوابة، معبر بين عالم وآخر.”

إن كان لعمل فنّي أن يظهر ذلك، ندركه بنظرة واحدة، فهو حتماً منحوتة الفرنسي أوغست رودان العملاقة، “بوابة الجحيم”.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.