1, الأولى
اكتب تعليقُا

في فرنسا العلمانية… الصلاة أولاً، ثم الفنون

لم ينته، بعد، عام ٢٠٢٠. لكن، وفي الوقت بدل الضائع، والعام كله كان، بشكل ما، ضائعاً، مانزال نقرأ أخباراً تؤكّد -أكثر- على المكانة الهامشية للثقافة ومساحاتها، المكانية والزمانية. أخبارٌ تنفي عن الثقافة -أكثر- قيمتَها كأساسيات في حياة الأفراد والمجتمعات وكضرورة حياتية.

صالات السينما والمسارح والمعارض، الأدب والموسيقى والسينما والفنون، كلّها تضررت خلال العام أكثر من غيرها، وهذه الـ “أكثر” لا تتعلق بعموم الإغلاقات الجزئية والكلية التي طالت دول العالم، بل بتعاطي حكومات هذه الدول مع قطاع الثقافة الذي لم يلقَ الدعم أو حتى الاهتمام المعنوي كما لقيت قطاعات أخرى على رأسها -وقد تكون هذه ذروة المأساة/المسخرة- دور العبادة.

الكلام هنا يخصّ، وهذا يزيد المأساة سخريةً، دولة تفخر بعلمانيتها وتحارب من أجلها، الجمهورية الفرنسية التي كانت وماتزال العلمانيةُ فيها امتيازاً حظيت به على طول سنين وثورات. ينحرف الامتياز أحياناً لكنّ بقرارات حكومية تتبدّل وبموجات رهابٍ وعنصرية تعلو وتخفت، وتبقى العلمانية في هذه الدولة قيمة نريدها لمجتمعاتنا ودولنا. لهذه العلمانية (كممارسة حكومية) سقطات منها على المستوى الاجتماعي رعايتُها -أخيراً- للإسلاموفوبيا، وكذلك تخبّطها في المعايير التي “تحمي” بها ذاتَها والملازمة -تماماً- للحرية (حرية التعبير والرأي والاعتقاد)، والحديث هنا عن دولة تميل اليوم -أكثر- إلى البوليسية مقلّصةً من تلك الحريات.

منها، هذه السقطات، ما هو على المستوى الثقافي -موضوعنا هنا- وهو ترك المساحات الثقافية كالصالات والمسارح، مغلقة إلى المرحلة الثانية من سياسة فك الحجر الصحي الذي بدأ بمرحلته الأولى في ٢٨ نوفمبر حيث تفتح كل المحال “غير الأساسية” ومنها المكتبات التي كانت مغلقة خلال الحجر. والمرحلة الثانية تبدأ في ١٥ ديسمبر، وفيها تفتح صالات السينما والمعارض والمتاحف بعد إغلاق طويل. ويُفترض أن تكمل البلاد فك حجرها في ٢٠ يناير.

لنبقَ في السقطة الثقافية. في وقت كانت فيه المكتبات مغلقة ضمن الحجر الصحي الأخير، الممتد من ٢٨ أكتوبر حتى ١ ديسمبر، كونها لا تبيع “الأساسيات” (بالنسبة للحكومة ولغير القرّاء)، تبقى المساحات الثقافية الأخرى (السينما والمتاحف…) مغلقة مع المرحلة الأولى من فك الحجر، في حين تفتح دور العبادة أبوابها للمؤمنين المهرولين نحوها المتعطّشين للصلاة. ما يعني أن الدولة العلمانية ماتزال، في سياسة فك الحجر، ترى في الثقافة هامشاً كمالياً يمكن الاستغناء عنه، في وقت تسمح لدور العبادة باستقبال “المؤمنين” من المرحلة الأولى للفكّ. الأولوية كانت، إذن، للدين مقابل الفنون، لأسباب غير مفهومة “حتى” للصحافة الفرنسية المنتقدة لهذه السياسات التي أبقت على القطاع الثقافي في مكانةِ أوّل الضحايا وآخر الناجين. والحديث هنا عن دولة هي علمانية من ناحية، وهي من ناحية حيّةٌ بفنونها وثقافتها التي كانت تملأ باريس وكل البلاد في كل ساعة.

إن كانت للكنيسة والمسجد والكنيس أولوية على صالات السينما والمعارض والمتاحف في فرنسا، فما الذي يمكن أن ننتظره من دول لا تقدم نفسها كعلمانية، ولا تكترث لفنون مجتمعاتها (وإن اكترثت فللتضييق)؟ إن كانت دور العبادة حاجة روحية لمرتاديها، لمَ لا تعتبر الدولةُ (المعتدّة بعلمانية مجتمعها وفنونه) المساحات الثقافية حاجة روحية لمرتاديها؟ وهي كذلك.

هنالك ما هو أبعد من سياسات هذه الدولة وتلك في الحجر وفكّه، وهو عدم الاعتراف بأساسية الثقافة لدى أهلها، لدى العاملين فيها ومرتادي مساحاتها من المكتبات إلى صالات السينما والمعارض والمتاحف. في هذا العام (والعالَم) البائس عرفنا -أكثر- المكانة المتدنّية والثانوية للثقافة والفنون لدى غير المعنيين بها.

الذهاب إلى دور العبادة للصلاة، بالنسبة للمؤمنين بها، أهم إذن من الذهاب إلى المعارض والمتاحف للتفرّج، بالنسبة للمؤمنين بها! لا يُعتبَر الذهاب إلى المسجد إذن، رفاهية، بل ضرورة، في حين يُعتَبر الذهاب إلى صالة السينما رفاهية يمكن دائماً تجاوزها! هذا حكمٌ على الثاني بمعايير الأول، وهو غبن. هذا انتقاص تجاه أصحاب حاجات، آخرون قرروا ما تكون قيمتها.

التجوال في متحف، للمرة الألف، هي حاجة روحية كذلك. مشاهدة فيلم في صالة سينما، بعدما سئمنا التلفزيون على طول العام، وليكن الفيلم تافهاً حتى، هي حاجة لدينا كذلك. ولا تكتفي هذه الممارسات في جانبها الروحي، فلهذه المساحات ضرورات حياتية إضافة إلى المعنوية، هي مادية. كاتب المقالات المتناول للأفلام والمعارض، ما الذي سيفعله مع إغلاق المساحات التي يفوق معناها، بالنسبة إليه، الحاجة الروحية التي لا يفرّط بها أساساً؟

محزنٌ هذا العالم حين تقرر دولة كفرنسا، بكل تراثها العلماني والثقافي، منح الأولوية للغيبيات، وحين تقرر أن لهؤلاء الحق في غذائهم الروحي، أما أولئك (وهم العلمانيون في عمومهم، وهم الفنانون ومتذوقو الفنون) فيستطيعون الاكتفاء بمعرض افتراضي أمام شاشة اللابتوب، يتبعونه بفيلم على شاشة أخرى، ثمّ، للتنويع، يستبدلون الكتاب بالشاشة، لتُنزَع عن الثقافة -أخيراً- مساحاتُها المفتوحة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.