1, الأولى
Comment 1

إزعاجُ الصورة للذهن… خادماتُ آتوود وخيلُ نابليون

في فرنسا عادةٌ سيئة لدى دور النشر، هي تغيير غلاف رواية ما، وقد نُقلَت إلى فيلم، ليصير الغلاف صورةَ “النّجم/ة” في الفيلم أو تفصيلاً من ملصقه، فتسَيطر الصورة على الكلمة، والشاشة على الخيال. ولا يقتصر ذلك على فرنسا، حيث للكتاب عموماً، وصناعته، حالٌ أفضل منه في بلدان أخرى (حمايةُ سعر الكتاب، مثلاً)، فهنالك طبعات (إضافة إلى الفرنسية) إنكليزية من رواية الكندية مارغريت آتوود «حكاية الخادمة»، The Handmaid’s Tale (١٩٨٥)، مأخوذٌ غلافها عن المسلسل الذي نقل الرواية إلى الشاشة وبالعنوان نفسه (٢٠١٧)، إذ تشغل الغلافَ نجمةُ المسلسل إليزابيث موس. وبالعربية، نجد طبعة الرواية ناسخةً الغلافَ “المسلسليّ” ذاته، مع عنوان “مُعرَّب” بتفاهة ذكورية صارت فيه “الخادمةُ” “جاريةً”.

قد لا يقف أحدنا طويلاً على السّطح من مسألة صناعة الكتاب والغاية التسويقية التي يسعى لها الناشرون من خلال رأس نجمٍ متربّع على الغلاف، فللمسألة أبعادٌ تصل إلى طبيعة العلاقة بين النصّ والصورة، قديماً وحديثاً.

الصورة ذاتها، الغلاف للرواية أو الملصق للمسلسل، موسوم بالنجمة ذاتها، برداء أحمر وقبعة بيضاء. صورة الرداء وقبعته صارت دالاً على المسلسل، صارت هويتَه البصرية التي تعدّت، للنجاح الواسع للمسلسل، الشاشةَ إلى الورق، وصارت دالاً على النص الأدبي الذي، وإن التزم بالألوان، قد فقد أي احتمال لتخطّي الصورة الآتية، “كبثٍّ تدفّقي”، من العمل التلفزيوني. ومسّ ذلك مؤلفةَ الرواية ذاتها.

في وثائقي، وهو بعنوان إشكالي في موضوعنا هنا، فعنوانه الفرنسي «مارغريت آتوود… من قوّة الكلمات»، وعنوانه الإنكليزي «مارغريت آتوود… كلمة بعد كلمة بعد كلمة هي قوّة» (٢٠١٩، كندا) في الوثائقي تَظهر قوّة الصورة، لا الكلمة. من دقائقه الأولى نشاهد تكريمَ آتوود كمؤلفة للرواية، إضافة إلى باقي فريق العمل في المسلسل، على مسرحٍ في واحدة من مراسم توزيع جوائز أعمال تلفزيونية نال المسلسلُ بعضاً لا بأس به منها. تناول الوثائقي الحياة الأدبية لآتوود، من بداياتها وصولاً إلى روايتها هذه (كأنّها القمّة)، وهنا تسيطر الصورة التي أخرجها المسلسلُ إلى العالم، الرداء والقبعة لا كما يمكن أن يتخيلهما قارئ الرواية بل كما تثبّتت صورتُهما في المسلسل، ومن بعدها في أغلفة الرواية بلغاتها المتعددة، وقد محت هذه الصورة -كذلك- غيرَها، كانت لفيلم بالعنوان ذاته (١٩٩٠) اعتمرت الخادماتُ فيه شالاً أحمر على رؤوسهن، لا القبعة البيضاء التي تتلفزَت وباتت شهيرة.

في الوثائقي نشاهد هذا الزي “المسلسليّ” على نساء يرافقن آتوود، كخادمات، في واحدة من مناسبات توقيع الرواية، يمشين خلفها ويقفن برؤوس خانعة على جانبيها أثناء توقيعها الرواية، مقلّدات، غالباً، ما شاهدنه في المسلسل (لا الفيلم الذي كتب السيناريو له المسرحيُّ البريطاني صاحب نوبل للأدب هارولد بنتر)، لا ما قرأنه في الرواية.

خلافاً لعنوان الوثائقي الذي عرضته أخيراً قناة ARTE، نصل إلى هذا السطر مع إدراك لقوّة الصورة لا الكلمة، لسطوة الأولى على الأخيرة، لطغيان الشكل على المضمون، والحالة البصرية على المعنى النّصّي. وقامةٌ أدبيّة كآتوود تقلّصت أمام توحّش الصورة التي فرضها الإنتاج التلفزيوني الضخم. وللفرنسي رولان بارت ما يقوله في ذلك.

للفرنسي جاك لوي داڤيد لوحة شهيرة بعنوان «نابليون عابراً الألب» (١٨٠١)، هي شهيرة إلى درجة أنّ البريطاني بانكسي قد رسم جدارية محاكياً إياها ساخراً منها، على مبنى لا يبعد كثيراً عن مكان كتابة هذه الأسطر، عند محطّة “ستالينغراد” في باريس. في اللوحتَين نابليون (هو كذلك، ودون علاقة بخادمات آتوود، برداءٍ أحمر) في المعركة، على حصانه المتأهّب. كتب الفرنسي رولان بارت عن لوحة داڤيد في كتابه «أسطوريات» (١٩٥٧):

الصخب الطفيف لهذه الخيول التي أُشبّت بشكل مبالغ فيه، ولهذا الامبراطور المستمر في إشارة مستحيلة، وهذا التعنت في العبارة الذي يمكن أن نسميه أيضاً بلاغة، يضيفان إلى قراءة العلامة ضرباً من المراهنة المزعجة، وتجرف قارئ الصورة إلى دهشة بصرية أقل منها ذهنية، ومردّ ذلك على التدقيق إلى أنه علّقها على سطوح المشهد الفرجوي أي على مقاومتها البصرية، ولم يعلقها مباشرة على دلالتها.

إرجاع المعنى (المدلول)، إذن، إلى ما هو أولاً سطح وثانياً فرجوي، حسب بارت، إلى لحطة التلقي الأولى، من خلال العين لا الذهن، وهي هنا، في حالة «حكاية الخادمة» بصرية تامة (تلفزيونية)، أباد (هذا الإرجاعُ) احتمالات الإرجاع إلى الدلالة الأصلية (الرواية) لدى متلقي حكاية الخادمات، حكاية النسوة ذوات الرداء الأحمر. هذا الإرجاع أطاح، لقوّة الصورة مقابل الكلمة، بالعمل الأدبي وبحضور مؤلفته آتوود. أطاح به كما أحاطت الخادمات بها أثناء توقيع روايتها للقرّاء، أو المشاهدين، كأنّها توقّع على علب DVD للمسلسل، كأنّها توقّع لمشاهديها.

في حالة «حكاية الخادمات» نلمس ما سماه بارت بـ “المراهنة المزعجة” في قراءة العلامة/العمل، والتي تجرف إلى “دهشة بصرية أقل منها ذهنية”، دهشة المشاهدة لا القراءة، إذ تتقلّص الأخيرة مقابل تمدّد الأولى، فلا يكون للكلمة/الفكرة حضور أمام الصورة كما لا يكون للأدب/الخيال حضور أمام التلفزيون/التركيب، وإذ يكون أشد ما ندركه من لوحة داڤيد هو الرداء الأحمر لنابليون (رداء سوبّرمانيّ طاغٍ يليق بقائد في معركة)، هو شبّة الخيل، وتبقى دلالة العمل غامضة بفعل الإبهار البصري، تماماً كما هي خلفية اللوحة، عمقها الضبابي الذي تتماهى فيه السماء الملبدة بالغيم مع الأرض الملبدة بالصخر.

هذا الانزعاج الذي تفرضه الصورة على تلقي الكلمة، متعدية عليها متخذةً أمكنتها وسياقاتها، ليتطوّر المزعجُ ويصير مقلقاً، هو ما نبّه إليه، كذلك، البيروڤي ماريو بارغاس يوسا في مقابلة نشرها موقع “متحف لويزيانا للفن الحديث” في ٢٠١٩، يقول:

علينا أن نكون قلقين مما يحصل في الثقافة. شيء ما يحصل في الثقافة المعاصرة، الصور تحل محل الأفكار بكونها الشخصيات الرئيسية الكبرى في الثقافة المعاصرة. حصل ذلك بسبب الثورة الكبرى للميديا، ثورة بالشاشات، وكل ذلك يقلل، شيئاً فشيئاً، من أهمية الأفكار والكتب في المجتمع، وعلى ذلك أن يقلقنا لأن الصور إن حلّت محل الأفكار بشكل تام، فإن قوى هذا العالم ستتلاعب بالمجتمع، وتدمّر المؤسسات الداعمة للحريات وحقوق الإنسان وهو ما يمكن بسهولة قمعه إن تم استبدال الحامل الأكبر للأفكار، وهو الأدب، بالصور. الصور، وهي شيء ترفيهي، تقدّم العالَم بوصفه تافهاً  بخلاف الأفكار. الصور تقدم توصيفاً سطحياً للعالم، وبسبب هذه التفاهة والسطحية، يمكن بسهولة جداً التلاعب بها من قبل القوى.

هو القلق ذاته الذي صاغه يوسا بلغة “حديثة” متقصّداً الإنترنت والسوشيال ميديا، كتب عنه بارت متوسلاً لوحةً من القرن التاسع عشر، منزعجاً من أن قراءة اللوحة لا تتعلّق مباشرة على دلالتها (فكرتها لا صورتها، بكلمات يوسا)، الدلالة التي هزئ منها بانكسي بتغطية وجه نابليون جاعلاً من الرداء الأحمر حجاباً، منتقداً سياسة الدولة الفرنسية وإعلامها تجاه حجاب الرأس للمسلمات، معطياً هذه الدلالة مباشرةً من خلال نشر صورة للجدارية على صفحته على انستاغرام مرفَقةً بشعار الجمهورية الفرنسية “حرية، مساواة، إخاء” مستبدلاً “إخاء” بـ “CABLE TV”، وفي الصورة يمرّ شاب غير ملتفت إلى الجدارية، بل (وهذا قلقُ يوسا وانزعاجُ بارت) ينغمس في تليفونه، في الصّور، في الميديا الإنترنتية/التليفزيونية التي استُبدل “الإخاء” (ككلمة وفكرة) بها. ميديا القوى المسيطرة، ميديا السّلطات المتلاعبة.

في هذا العالم صرنا نعرف الحكايات من الشاشة لا الورق. في هذا العالم تكون مؤلفةٌ بحجم آتوود ضئيلةً أمام الصّورة التي صنّعها المسلسلُ وصدّرَها، فنكون مشاهدين أكثر من قرّاء، ومتفرّجين كسولين، هانئين بهذا الكسل.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

تعليق واحد

  1. أفاتار nouredin mahfoudi
    nouredin mahfoudi says

    في هذا العالم صرنا نعرف الحكايات من الشاشة لا الورق. في هذا العالم تكون مؤلفةٌ بحجم آتوود ضئيلةً أمام الصّورة التي صنّعها المسلسلُ وصدّرَها، فنكون مشاهدين أكثر من قرّاء، ومتفرّجين كسولين، هانئين بهذا الكسل.

    Liked by 1 person

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.