1, الأولى
اكتب تعليقُا

«بيروت ٦:٠٧» لكارول منصور… صورة مفتَّتة للكارثة

مع كل كارثة، قد يتساءل أحدنا: أي فيلم يمكن أن يصورها؟ أي عمل توثيقي، بحدوده الشكلية، يمكن أن يحكي عنها؟ تبقى تلك الحدود (إطار الكاميرا، الصورة والصوت، مدة الفيلم، المادة المصوَّرة…) عاجزة عن تناول الكارثة بكامل أبعادها. لذلك، يذهب بعض صنّاع الأفلام إلى تفاصيل محدَّدة من عموم تلك الكارثة، تفاصيل بزمان ومكان محددَين، يكون السياق فيهما حالةً متأثرة بالكارثة. لكن، بذلك، يبقى توثيق الكارثة فيلميّاً مقصوراً على ظروفه، فالحالة المصوَّرة هنا قد تكون استثناءً، قد تكون مغايِرة، متمايزة عن الباقي بأضرار أقل أو أكثر.

آخرون قد يختارون توثيق الكارثة ذاتها، بمعزل عن حالات محدَّدة قد لا تتمظهر الكارثة بكامل ثقلها من خلالها. هنا يبرز سؤال آخر: كيف نصوّر الكارثة؟ لا تُصوَّر. فحتى الدقائق القليلة لانفجار هائل كانفجار مرفأ بيروت في ٤ أغسطس/آب هذا العام، المصوّرة من أكثر من زاوية ولحظة وبكاميرات تليفونيّة، تبقى صوراً لها أصواتها، تُعاد وتُعاد دون أن تعطي للمُشاهد معنى خارج المادة المُشاهَدة، فمهما كانت هذه المادة هائلة، يبقى الانفجار، طالما نراه محصوراً في هذه الشاشة الضيقة، وقد صار بعيداً على كل حال، زمانياً على الأقل، يبقى فيديو لكارثة أخرى نشاهدها ونعلّق عليها سريعاً، مع اطمئنان تام بأنّه، الانفجار (كحدث لحظي وقع في ٦:٠٧ بتوقيت بيروت) ومعه الكارثة، محصوران بالشاشة بين أيدينا، نغلقها في أية لحظة.

الألم والغضب، الدمار والرعب، وكل ما نشاهده في الفيلم القصير للبنانية كارول منصور «بيروت ٦:٠٧» لا يحتمل أن يُوثَّق سوى بأسلوب واحد اتخذته صانعةُ الفيلم كثيمة له، بادئةً فيلمها ومنهيةً إياه به، هو الانتقال من المعنوي إلى المادي، من الحدث إلى الشيء، من المدينة المدمّرة إلى الزجاج المكسّر، مثبّتةً الحالة عند الدقيقة السابعة بعد السادسة مساءً، حيث، بلحظة، تكوّنت المادة، تكوّنت بانهيار المعنى في المدينة.

هذا الربط، أو هذا التحويل لحدثٍ بمكان وزمان معلومين، إلى شيء ملموس، نمسكه فيجرح أصابعنا، نسمع صوته فنستعيد الحروب (الحرب الأهلية والقصف الإسرائيلي كما تقول كارول في الفيلم) وهو يأتي برائحة هي خليط من الدمار والتراب والإسمنت والبارود وما لا يعرفه أحدنا من الكيماويات المرافقة للانفجار المتلوّن بها. هذا الربط جعل من كارثةَ بيروت مادة نستقبلها بحواسنا. نحن ندرك الآن معنًى للكارثة محدّد المعالم، هو هنا أمامنا، نلمسه ونراه ونشمه، هو ليس شاشة، هو ليس مشهداً لحدث نعيش تبعاته وحسب، هو مادة تبلورَ فيها الحدث وتكثّف. هو ليس رمزاً، هو زجاج مكسَّر، مفتَّت، منهار على شوارع المدينة، تماماً كآمال أهلها، منثور كغضبهم، كالمشاعر المختلَطة التي نسمعها بأصوات أصحابها في الفيلم.

تحويل المعنوي إلى مادي، منحَ المُشاهد فرصة إدراك وتخيّل حقيقة أن زجاج المدينة فرش شوارعَها، أنّ صوت انكساره هو صوت آخر للانفجار، لكنه صوت نسمعه، نستوعبه، نألفه في سياقات أخرى، هو ليس الانفجار، هو صوت آخر له، أو انتشار آخر لصوته، ولأنّنا نستوعبه وقد ألفناه في أمكنة وأزمنة أخرى، لأنه أقرب، يكون أكثر ترويعاً من صوت الانفجار المتناسَخ متى كان، في بيروت وغيرها. صوت الزجاج المكسّر هو صوت الانفجار مشخصَنٌ.

صوت الانفجار يكون دائماً بعيداً، مهما كان تأثيره قوياً. نعرف أنّنا، متى سمعنا صوت الانفجار، فنحن بخير، ولم يودِ بنا، متى سمعناه يكون بعيداً، نكون أحياء. ليست هذه حال صوت الزجاج، أو أصواته، المنهالة على رؤوسنا ومسامعنا، نسمعها ونبقى، لحظتها، في احتمال الأذى، نسمعها دون إدراك مسبق بأنّنا، لذلك، بخير. نسمعها ويبقى أزيزها في رؤوسنا كندباتها على جلودنا.

بلورَت كارول منصور صوت الانفجار وصورتِه لتخرج بصوت الزجاج وصورتِه، المسيطرة على طول الفيلم، أزاحت حالة مشاهدة الانفجار على الشاشة إلى حقيقة رؤية الزجاج منثوراً على الشوارع، أعطت للكارثة أبعاداً مُدرَكة، نعايشها في حياتنا اليومية، من كأس ماء أوّل الصّباح إلى كأس آخر، آخِر المساء. عرّف لنا الفيلمُ الانفجار، قرّبه منّا، أعطاه صورة غير تلك البعيدة المتداولة على الشاشات، صورة نكاد نلمسها. تقرّب منصور الكاميرا أكثر، من الفتات على الأرض، تعطينا فرصة أكثر للإنصات إليه، هذا إذن هو الكارثة، هذه المادة الشفافة الحادة، الهشّة المتحوّلة من صلب تام إلى جزيئات كالرّذاذ، هذه التي ندركها فيزيد رعبنا، هذه هي كارثة كل منّا إذن.

قد نقول إنّ هذا ترميز للكارثة، وإنّه تأويل آخر لها، وإنّه تصوير لواحد من آثارها. يمكن التفسير بذلك، إنّما بالمعاني البعيدة للانفجار. لكن الفيلم، أساساً، لم ينقل لنا تلك الصّور بهذا البعد، كانت الصّور والأصوات قريبة، شكلاً ومضموناً. كان الزجاج وصوته في الفيلم مألوفاً، كان تفصيلاً من حياتنا اليومية. هو كذلك تفصيل من الكارثة لكنه ذلك التفصيل الذي في بيوتنا، في يومياتنا، هو الكارثة بدالٍّ جديد، بمادة جديدة، هو شدّة حقيقيّة الكارثة وراهنيّتها وانغماسها في حياتنا. هو الكارثة المستمرة، المتعايشة معنا.

منح فيلمُ منصور الكارثةَ الكبرى، هناك في المرفأ، معنى أشدّ ترويعاً، إذ لم يعد بعيداً، لم يعد “هناك”.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.