1, الأولى
اكتب تعليقُا

نفيُ الشّر في «لا وجود للشيطان»

قد لا يكون انتقاد الشر، أو نقضه ونفيه، أكثر جلاءً من حالة أو سياق أو قصة تكون في جزئياتها أبعد ما يمكن عنه، تكون إنسانية، عادية، روتينية، رتيبة ربما، بلا مفاصل سردية تفتح للشر منافذ يدخل منها، حالة يعيشها أحدنا في يومه العادي، الخالي من أي تدرّجات يمكن أن تصل، أخيراً، إلى لحظة شر، أو لحظة لا تكون الحالة (السياق/القصة) بعدها ما كانته قبلها.

بهذا يمرّ الشر -أو الشيطان كتجسيد مُسمّى له، ومتعارَف عليه يُحمَّل عنوةً شرَّ الإنسان- في يوميات شخصيات «لا وجود للشيطان» للإيراني محمد رسولوف، يمر متسللاً، مباغتاً، بهدوء كما هي هذه الشخصيات، وكما هي أجواء هذا الفيلم الشاعري بقدر ما هو تراجيدي، والتراجيدي بقدر ما هو رتيب (وهذا جمع بين تناقضين يمثّله الفيلم بموضوعه) كما هي الشخصيات ومآلها. وليست الرتابة هنا مَثلبة، هي بالتركيز الذي كانت عليه، أبانت، أخيراً، مدى الخبث الذي يكون عليه الشر حين يحل، وهو يحل في غير موعده، أو هو كذلك دائماً، إذ لا يكون في موعده، وهو كذلك في أشد حالاته متى كانت الرتابة في أشد حالاتها، على طول يوميات أيٍّ من هذه الشخصيات.

ليس الشر هنا معرَّفاً، لا وجود للشيطان -فعلاً- هنا، لا تعريف للشر، لا مقدمات له، لا محددات، لا إدراك. هو كامن هناك، في مكان ما في الخلفية، مختبئ في “حيثيات” لا ضرورة آنية لكشفها، هي محيطة بالحالة/السياق/القصة دون أي تأثير مباشر، هو أحد مكوّنات الرتابة لدى هذه الشخصيات، إنّما، كالمرارة، متجرَّع ولا نحسّه أو ندركه سوى في لحظة ما، حينما تعمّ المرارة على حاسة التذوق كلّها، بغتةً، وتسود الأحاسيسَ كلّها، تنفيها لتبقى، وكذلك الشر الباقي طوال حياة هذه الشخصيات، تاركاً آثار لا تلتئم من بعده.

في هذا الفيلم الفائز بـ “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي الأخير، والمعروض كفيلم الافتتاح في مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” قبل أيام، لا نجد الشيطان، لا نشعر بالشر، مباشرة وسريعاً، بل بتبعاته، بآثاره المدمّرة لحياة الشخصيات. يمكن، بعمومية، أن نقول إن الشيطان هنا هو الحكم بالإعدام، وتحديداً الذي ينفذه عساكر يافعين، ليست العسكرة ولا الإعدام “مهنتهم”. إنّما، بذلك، يدخلون إلى دوّامة الشر الذي فرضه عليهم النظام الحاكم والمتحكّم في إيران، ليجدوا أنفسهم محكومين بتنفيذ الحكم بالإعدام، القتل المباشر للمتّهم، والأخير هنا في حالات عديدة يكون “متهماً” سياسياً أو فكرياً، معارضاً لنظام الملالي في إيران، النظام الذي أدخل الشر إلى حيوات هذه الشخصيات (إلى المجتمع الإيراني) ليكون أحد عناصر يومياتهم، أكثر العناصر تأثيراً في ما يأتي بعده، فإن لم يكن الضحية معدوماً، يكون، وهو هنا شخصية في الفيلم، رافضاً لتنفيذ الحكم وبالتالي هارباً من النظام الذي أراد له، مجبراً إياه، تعوّدَ القتل/الإعدام، فيكون هارباً أو مسجوناً أو منفياً مختبئاً في الأحراش.

لا أقول إن الفيلم نقل مسألة الحكم بالإعدام إلى السينما كقضية حقوقية تنادي لإلغائه. بل نفاه، الفيلمُ، بإنسانية حالاته. هنا تكمن أهميته وقد طرح المسألة من ناحية إنسانية تامة، بالمعنى البسيط اليومي الذي يمس كلاً منّا، ومن ناحية حكائية مكتوبة بإحكام، وبشخصيات كانت، أو بدت، أبعد ما تكون عن الوحشية التي تجرّ إلى الحكم بالإعدام، من ناحية المحكوم إن كان هنالك جرماً ارتكبه أو من ناحية الحاكم لطبيعة الحكم عينه، شخصيات أبعد ما تكون عن النقاش القانوني لهذه المسألة، فكانت ببساطتها وبراءتها في بعض القصص، وعائليتها أو ريفيتها في أخرى، كانت كمنفّذ، كموظّف، جزءاً من الصورة، إنّما الجزء غير المرئي، غير المدرَك، كما هو الشر المختبئ في حيواتهم وقد دسّه النّظام. كانت المنفّذ لهذا الحكم، بأمر الشّر.

الفيلم (There Is No Evil)، بقصصه وشخصياتها التي تشبهنا، بشاعريتها الواصلة حدّ التراجيديا، بطبيعة موقعها من عملية الحكم بالإعدام وتنفيذه، بضعفها وهشاشة موقعها ذاته في مجتمع يحكمه خليط مريع من العسكر ورجال الدين، يرتقي، الفيلمُ، بتقابله مع الإعدام حكماً وتنفيذاً وأسلوب حياة، بإنسانيته إلى أقصاها، فينفيه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.