1, الأولى
اكتب تعليقُا

«إيما»… الرقص كعنصر سينمائي

ليس بالضرورة أن يكتفي الفيلم، كعمل فني، بالجانبين الحكائي والبصري فيه، يُختصر بهما الفيلم، أو تُختصر بهما مجالات تقييمه من قبل متلقيه، كعنصرين أساسيين لذلك، وهما فعلاً أساسيين.

لكن، يمكن، بين فيلم وآخر، أن نمر بواحد يتخطى العنصرين المذكورين، الأساسيين، إلى غيرهما، عناصر تكون ثانوية إنما من صلب العمل الفني، أو المجال الفني الذي تدور في فلكه السينما.

فيلمنا هذا، «إيما» (Ema)، يجمع بين هذه وتلك. هو مثال جيد على الفيلم الفنّي بمعنَييه: المصنوع بفنّية شكلية إن لم أقل عالية فهي ممتازة، والمصنوع بمضامين هي كذلك فنّية، إذ لم يكتفِ بالحكاية والبصريّة كفنّين يتشكل بهما الفيلم، بل أضاف الموسيقى والكوريوغراف (الرقص) إلى الشكل، وهو كذلك جعل من الرقص موضوعاً أساسياً لديه.

لنأخذ الحكاية بداية، وهي، كما هي الصوت والصورة في الفيلم، ليست “آمنة” ولا “سهلة”، بمعنى أنها محبوكة جيداً بتتابع إلزامي ومنتبه لها، كي لا تمحو الموسيقى والرقص بعص مواضع الانتباه، فهذه وتلك هي كذلك عناصر تتطوّر بها الحكاية، هي ليست إضافة جمالية ما، ليست “بْريك” من الحكاية، هي، الرقصات، نقلة أخرى في الحكاية، بأسلوب سردٍ آخر، ينقل المتلقّي إلى المشهد التالي.

إيما، التي يحمل الفيلم اسمها، راقصة في فرقة يديرها زوجها، لا يستطيع هو الإنجاب فتبنيا ولداً، يعيدانه إلى المركز الذي تبنياه منه، بعد عجزهما عن الاهتمام به. يبدأ الفيلم من هنا، من محاولتهما استرجاعه بعد إعادته إلى المركز. يفشلان، يتبناه زوج أخر، تجري إيما تحقيقاتها وتدخل إلى حياة كل من الأبوين الجديدين للولد، تقيم علاقة مع كل منهما، على حدة، علاقة جنسية وعاطفية، يتعلق كل منهما بها، هي محامية كانت إيما قد وكلتها لملف طلاقها، وهو إطفائي استدعاه إيما ليطفئ ناراً أولعتها. على طول كل ذلك، تواصل انفصالها غير التام عن زوجها، وهو غير الراغب بذلك، فتمضي إيما الفيلمَ في علاقات متوازية، مع ثلاثتهم، إضافة إلى صديقة لها في فرقة الرقص. أخيراً يحصل لقاء تدبّر له إيما، بينهم جميعاً، تسبقه وتلحقه مفاصل أخرى في الحكاية التي تتقدّم بالموازاة مع موسيقى ورقص يشيان بالمشاعر المنفجرة داخل إيما، وإن كان يظهر عليها الهدوء، فهذه مشاعر داخلية لا تخرج سوى بالرقص وبهواية الإحراق.

إضافة إلى الرقص، تحب إيما إحراق الأشياء، تخرج مع جهاز إحراق، رشاش نار، تحمله على كتفها، وترش به سيارة أو إشارة ضوئية أو ما يخطر لها في الشوارع، كسلوك تفريغي لغضب وحزن محتقنين متعلقين بشخصيتها المتمردة المتحررة أولاً، وبعجزها عن استعادة ابنها المتبنى ثانياً. رقصها جنوني، وكذلك أفكارها، إلا أنها تبدو، بهدوئها الظاهر، وكذلك حكمتها كما قيل لها، مسيطرة على كل ذلك، كأنّها تتحكم في كل تفاصيل حياتها، في ما سيحصل لها، تماماً كما تعرف الحركة التالية في رقصاتها فتكون في حالة سيطرة تامة، وكل ذلك باستثناء مسألة ابنها. هذا المزج بين الهدوء الظاهر وبين التمرد الكامن، أدى لها أخيراً إلى المكيدة التي دبرتها لتبقى، دائماً، مع ابنها، ومع عشيقيها، ومع زوجها.

ليست الحكاية “سهلة” إذن، بعض الاستنتاجات تحتاج لأن تكون حذرة، وهي حكاية رافقتها، على طول الفيلم، مشاهد رقص وموسيقى شبه متواصلة، فالرقص كان جزءاً من الموضوع، هو المجال الجامع بينها وبين زوجها، وكان جزءاً من الشكل إذ تخلل المَشاهد في رقصات لها مساحتها الخاصة من زمن الفيلم، ممكن استقطاعها، لكنها، كذلك، مرحلة انعطافية في أحداثه، وهو إظهار للتمرد الداخلي الذي تعيشه إيما، والتي تقرر، على إثره، التصرف بهذا الشكل أو ذاك. الرقص هنا جزء من الحكاية، جزء من الشخصية، جزء من الصوت والصورة في الفيلم، جزء من التمرد.

الفيلم، الجيّد شكلاً ومضموناً، والرابط بين الفنون وتحديداً الرقص والموسيقى، وبين الصناعة السينمائية بعنصريها الأساسيين، الصورة والحكاية، هو الأخير لمخرجه، صاحب أفلام جيدة أخرى منها «Neruda» و«The Club» و «No». نزل إلى الصالات الفرنسية أخيراً، وقد شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي عام ٢٠١٩.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.