1, الأولى
اكتب تعليقُا

النساء كقوّامات في مسلسل “مارتشيلا”

لكثرة الأفلام والمسلسلات التي تتناول عمليات تحقيق في جرائم متسلسلة، مدخلةً في ذلك الجانب الحركي كالملاحقات والمداهمات، والجانب السيكولوجي كتحليل بواعث العمل الإجرامي واستقراء القادم منها، والجانب التشويقي الدامج بين الجانبين السابقين والممتد على طول الحكاية معتمداً على الصوت والصورة كما هو على الحوارات والسيناريو، لكثرة هذه الأفلام والمسلسلات وتشاركها في الجوانب الثلاثة، بنسب متفاوتة، تتفاوت في التناول وتتفاوت في الجودة كذلك، لا بد أن يتساءل أحدنا عن الجدوى من عمل جديد يمكن بسهولة أن يكون تناسخاً آخر بين هذه الأعمال وبين بعضها، لا بد أن يتساءل إن كانت هنالك رغبة مستمرة في مشاهدة مسلسل ممثال لآخر نال إعجابه.

لنبدأ من فكرة أنّ “نيل الإعجاب” هذه، وتحديداً من مثلٍ آخر، آتي منه إلى حديثنا هنا، إنْ تناول أحدنا بيتزا في مطعم ونالت إعجابه، سيعود لاحقاً إلى المطعم ذاته ليتناولها، هي أو غيرها تكون بـ “توپنغز” أخرى. هذا التناول (المشاهدة) المتكرر يرافقه توقع مسبق من البيتزا (المسلسل) الجديد، هو مسبق لتجربة سابقة نالت الإعجاب، فلا نأتيها بتوجّس المكتشِف، هو توقع ينطلق من الإعجاب الذي أتى بنا إلى هذا المطعم (مواضيع التحقيقات والجرائم).

هذا تماماً ما يجعل أحدنا، وقد شاهد مسلسلاً بموضوع ما، يبحث عن مماثل له، لضمانٍ أوّلي يمكن أن يحصل عليه يأمّنه ذلك التماثل، وهذا تماماً ما يجعل “نتفلكس” تقدم لمشاهدها، أينما كان يتجوّل في المنصّة، اقتراحات تماثل أفلاماً ومسلسلات سبق وشاهدها. وكلما كثرت المشاهدات للمواضيع المتماثلة، كثرت الاقتراحات.

ما الذي جعلني أبدأ بمشاهدة مسلسل “مارتشيلا”؟ أمور قليلة بدأتْ باقتراح صديقة أثق برأيها، ومرّت بقراءات سريعة وانتهت بمشاهدة الحلقة الأولى وقراري على إثرها، إكماله. وهو مسلسل بثلاث مواسم، إذ لن يكون القرار بتمضية كل ذلك الوقت بمشاهدة عملٍ واحد، سهلاً. أستطيع مثلاً خلاله مشاهدة وقراءة عدة أفلام وكتب.

وكان القرار صائباً، فالمسلسل استخدم جيداً عناصر التشويق المتناسخة هنا وهناك في مسلسلات كهذه، ولا بأس في تناسخها ما دامت تُقدّم جيداً (كالبيتزا الجيّدة، اللذيذة في كلّ مرّة) لكنّ كان للمسلسل ميزاته الخاصة، إذ لم يُبنَ فقط على وصفات جاهزة ضامنة لحد أدنى من المشاهدات.

المسلسل “ماترياركي” بامتياز، أي أن المواقع المؤثرة والأساسية في سير أحداثه هي لنساء، بدءاً من أن بطلته امرأة، ويحمل المسلسلُ اسمها، مارتشيلا.

المواقع المؤثرة المذكورة تتوزع على مواسم المسلسل الثلاثة، فالموسم الأول (٢٠١٦) مديرة شركة، امرأة، هي القوة الأكبر مقابل مارتشيلا، التي تشاركها في عمليات التحقيق امرأة أخرى ورجل. في الموسم الثاني (٢٠١٨)، تودي عمليات التحقيق أخيراً إلى امرأة، في الموسم الثالث (٢٠٢٠)، زعيمة مافيا عائلية تعيش ضمنها مارتشيلا كشرطي متخفٍّ، امرأة. وبخلاف المحقق المسؤول عن مارتشيلا في الموسمين الأول والثاني، كشخصية جيدة، يكون للرجال في المسلسل مواقع سلبية وشريرة، من زوجها/طليقها إلى مديرها/عشيقها الأنانيّان، إلى ابن المديرة كفاشل لا يستطيع أن يملأ موقع أخته في الشركة، إلى المجرمين المتسلسلين والمتناوبين، إلى الپيدوفيليين المتحرشين والمغتصبين، إلى الأخوين في عائلة المافيا الظالمَين للأم والأخت. جميعهم رجال وأشرار بشكل أتى مقنعاً درامياً (دون تنظيرات مُقحَمة)، أتى في سياق تدريجي يصفّ الأخيار والأشرار جنباً إلى جنب، دون تحيّز “غير درامي” في أن يكون هؤلاء بغالبيتهم رجال، تقضي عليهم امرأة.

عنصر آخر لا بد من المرور به، وإن لم يكن عاملاً للحكم على المسلسل درامياً، لكن لا يمكن فصله عن المواقع النسائية فيه، وهو إفراد حيز واقعي وعادل لمن هم ليسوا “ذكوراً بيض مغايري الجنس”. فهنالك أدوار فاعلة أو حضور عابر لبريطانيين غير بيض، ومثليي الجنس، يُضاف إلى المواقع الأساسية للنساء.

الميزة الأخيرة لهذا المسلسل (Marcella) وتتعلق بالسيناريو (نال جائزة لدى “جوائز كتّاب السيناريو البريطانية” عام ٢٠١٨، وأفضل ممثلة في “جوائز إيمي العالمية” في ٢٠١٧)، هي أنّه لم يحصر الحكاية في عملية تحقيق واحدة ومجرم واحد، كما هو حال معظم الأفلام والمسلسلات المماثلة، بل كان في كل موسم عمليات تحقيق متوازية، بمجرمين مختلفين، قد لا يعرف أحدهم بالآخر، إنّما عناصر متتابعة ومتشابكة يمكن أن تصل بين هذا وذاك خلال عمليات التحقيق، وهم مجرمون تزامنت ارتكاباتهم وتشعّبت في بعض جوانبها. بشكل ذكي تتطور عمليات التحقيق لتحتويهم، رابطة بين أفعالهم السابقة والمستجدّة، لتبدو التحقيقات أخيراً كعملية واحدة بطبقات وأطراف تعود كلّها، أخيراً، إلى المحققة ماترشيلا.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.