1, الأولى
اكتب تعليقُا

النكبة كموضوع “غير مفضّل” للسينما الفلسطينية

في نقاش السردية الفلسطينية ومدى ندّيتها للسردية الإسرائيلية في الأعمال الفنية (أدباً وسينما…)، ومدى استحقاقها لهذه الندية، ونحن أمام ماكينة صناعية وترويجية ضخمة يمتاز الاحتلال بها عنا، يأخذنا الحديث مباشرة إلى السينما الفلسطينية، حيث لا بد من حكايات تستقوي بها السردية، وحيث لا بد أساساً من حكاية النكبة، الأصل الذي تحوم حوله كل القصص الصغيرة المساهمة في صناعة هذه السردية.

لست هنا في نقاشٍ للأحقية، أو لصدقية إحدى السرديتين، فنحن، كما كتب مريد البرغوثي في «رأيت رام الله» “لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق! لقد خسرناها بالإكراه و بالقوة”. والتعبير السينمائي عن هذه الخسارة لم يرتقِ إليها في ناحية أساسية، وإن تفوّق في نواح أخرى.

حديثي هنا عن الـ “لم يرتقِ إليها”، لكن قبلها من الضروري، إنصافاً، التذكير بالمكانة العالية التي نالتها السينما فلسطينية عالمياً، بأفلام هي بمثابة الأعمال الفنية في بعضها، حجزت لفلسطين وقصصها أمكنة على شاشات مهرجانات العالم الأولى، وهذا كله رغم الصعوبات التي تعاني منها هذه السينما كتابةً وتمويلاً وصناعةً.

الخسارة الكبرى للفلسطينيين كانت في النكبة، تحديداً في عامها، ٤٨. فكل ما تلاها كان أثراً لها وامتداداً متواصلاً زمانياً ومتوزعاً مكانياً. ولا يمكن للقصص القصيرة في الأفلام هنا وهناك، أن ترتقي إلى المكانة التأسيسية لهذه الخسارة، عام ١٩٤٨، في تشكيل عموم المأساة الفلسطينية وبالتالي هويتها الوطنية والأدبية/الفنية. فتجميع القصص القصيرة لا يشكل سردية. تجميعها، ككولاج، يعطي فكرةً ما عن تاريخٍ نشاهد، لحظتها، أثرَه وحسب.

أحكي هنا عن الأفلام الفلسطينية التي لم تطرح النكبة (الجذر) كموضوع أساسي لها، بل طرحت قصصها القصيرة (الأثر)، والقاصرة في حالات عدة، المصوِّرة لراهن يعيشه الفلسطينيون، من عنصرية وجدار وحواجز وجيش ومصادرة وغيرها من آثار الحدث التأسيسي لكل ذلك في تاريخنا المعاصر: النكبة.

جيّد أن توجد هذه القصص المتفرقة، بل هي ضرورية لتشكيل صورة راهنة لما هي عليه حال الفلسطيني. لكن ما ينقصنا هو حكاية النكبة، حكايتها هي، العودة إلى الأساس.

أترك جانباً الخلل الحكائي في الأفلام الفلسطينية، فمعظمها مكتوب بحدود أدنى في فن القصّ، وطبعاً ليس هذا عيباً (فليس من الضروري أن يحكي الفيلم قصّة دائماً) ما لم يسيطر ويصير ظاهرة جامعة لهذه الأفلام. لكنها كذلك، فتكون أفلامنا الفلسطينية دون حكايات في وقت عاش شعبنا، قبل ثلاثة أجيال، أمّ الحكايات. أفلامنا هذه تصوّر حوادث متتابعة، حالات متوترة، اشتباكات (درامية) لا جهد في ابتكارها، كأن يتسبب به اقتحام جيش الاحتلال لحيّ أو بيت. وتأتي كلّها في سياق راهن هو الاحتلال.

جيّد إن مرّ ذلك في السينما الفلسطينية، لا بأس إن واصل مروره، لكن لمَ يواصل تكرار ذاته في أفلام فلسطينية متلاحقة؟ والأهم، أين حكايتنا الأولى، أين حكاية خسارتنا الأولى؟ أين أم الحكايات الفلسطينية؟ ولا يخطر في ذهني الآن سوى فيلمين تناولاها: «الزمن الباقي» لإيليا سليمان و«باب الشمس» وهو فيلم عربي، ليسري نصرالله.

لا أرى سبباً ليعكف صنّاع الأفلام الفلسطينيون على تجنب حكاية النكبة، لا أرى سبباً لذلك تحديداً حين أشاهد قصصاً مكتوبة بتواضع، أفلاماً تضع كامل ثقلها في مَشاهد متوترة (على حاجز أو تحت قصف) آخذة من تشويق هيتشكوك أكثر لعبه انكشافاً واستهلاكاً، وقد صارت محاكاتُها مثيرة للضحك لا الإثارة، فهذا الأخير أحسن صناعة مشاهد التشويق المتخلل لحكاية محكمة يستعيرها من رواية.

ليس هيتشكوك من المفضلين لديّ، لذلك ربّما أطرحه كمثال هنا، لكني أطرحه للإشارة إلى أن التشويق لا بد أن يأتي ضمن حكاية وليس في أحداث متفرقة تعتمد على عنف الجندي وتأثيرات موسيقية.

من هنا أصِل إلى الحكاية الفلسطينية. الكثير من التشويق يمكن استعادته/ابتكاره سينمائياً في أحداث النكبة، الكثير من الأدب الفلسطيني نقل حكايات من النكبة، أو قصصاً يمكن تصويرها في أفلام (كنفاني وحبيبي وجبرا ونصرالله وخوري…). لمَ لا تصير أفلاماً؟ لم لا يستفيد صنّاع الأفلام هؤلاء من تلك الحكايات؟

النكبة غائبة سينمائياً لكن لم يغيّبها أحد، غابت حين لم يكترث بها أبناؤها، صنّاع الأفلام الفلسطينيون، المهتمون، في عمومهم، بقصص يكتبونها بأنفسهم لا قَصّ عالياً ومتقَناً فيها، وبأزمنة لهذه القصص تلت النكبة، بل تلتها بكثير، هي راهنهم. كأنّهم يتجنبونها قدر الإمكان.

النّاجون من النكبة الفلسطينية، جيلها، كانوا مقلون في الحديث عنها، بل تفادوه تماماً، لروع ما عاشوه، لحالة التروما التي مروا بها. أما صنّاع الأفلام الفلسطينيين فقد أكملوا سيادة الصمت حيال حكايات النكبة، بل أطبقوا على الصمت بانغماسهم في قصص ومشاهد راهنة ولحظية تلائم أكثر المتلقي الغربي المتشكّك (عموماً) من سرديتنا، المراعي لسردية الاحتلال، والمتقبّل، بهذه وتلك، لقصة “إنسانية” راهنة لا تضرب عميقاً في سردية الاحتلال، لا تشكّك في شرعية وجوده أصلاً، لا تحكي خسارتنا كما كانت، لا تعود إلى الحكاية من أوّلها، إلى ٤٨.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.