في الفيلم الرّوائي يصنع السيناريو الشخصيات، في الوثائقي تصنع الشخصياتُ السيناريو، تصنع الشخصياتُ الفيلم، يتبعها صانع الفيلم في وقتٍ تتبع الشخصياتُ الصّانعَ في الرّوائي.
في الوثائقي «شقيقة موسوليني» كان على مخرجته، الفلسطينية جونا سليمان، أن تتبع جدّتها (هيام سالم جرجورة) في روتينها اليومي لسبب أوّل هو طبيعة هذا الوثائقي المبني على يوميات الجدّة، ولسبب آخر أتى كميزة في الفيلم هو الشخصية المسيطرة لهذه الجدّة، أحاديثها وقلّة صبرها وردود فعلها وحتى سكوتها المقلِق.
لكن، لا يُصنع وثائقي جيّد بتصوير “حيادي” لليوميات، ولا يجب أن يُترك أمر “الحيادية” للصدفة، فلم تكتفِ جونا بتتبّع جدّتها، بل صنعت بالمونتاج تتابعاً لتلك اليوميات، خاصاً بالفيلم، فكان لتلك الشخصية أن تتبع -كذلك- صانعةَ الفيلم في اليوميات التي أخرجتها للمُشاهد.
ثنائية العمل على التتابع هذا في الفيلم، بين الجدّة وجونا، بالتناوب في تبعية أحدهما للآخر، الجدّة تشدّ في الجانب الوثائقي وجونا في الجانب السّردي، امتدّت إلى عناصر داخل الفيلم، منها الشكلي ومنها الموضوعاتي وكلاهما متعلّقان بالزّمن.
صوّرت المخرجة يوميات جدّتها التي تعيش وحيدة في النّاصرة. لم يكن هنالك قصّة، ولا تتابع لما تحكيه أو تفعله الجدّة، بل حالة. هي أوقات مللٍ تعيشها، ومحاولات دائمة للخروج من هذا الملل بالقطع مع السياق (المكان والزمان) الذي تعيشه، فنراها تحكي كثيراً بالتليفون، أحاديث ليست ضرورية إنّما تُخرج الجدّة من سياقها، وهذا ما تسعى إليه. نراها تشاهد التلفزيون، مشاهدات عشوائية، من مسلسل مدبلج إلى تقارير إخبارية. تشاهد شاشات كاميرا المراقبة عند بيتها، وقد تكون هذه اللقطات هي الأكثر تعبيراً عن رغبة الجدّة في الخروج من سياقها كأنّها عالقة تراقب، في وقت يدخل ويخرج ويمرّ الآخرون. نراها تقرأ صحفاً وتستمع إلى الراديو. هذا كله يأتي في محاولة الجدّة فصلَ نفسها عن راهنها، زماناً ومكاناً.
صوّرت جونا ذلك وألحقته بشغلٍ مونتاجي موازٍ، فاصلاً في يوميات الجدّة -كذلك- لتصنع سياقاً آخر لها، خاصاً بالفيلم، فتُدخل أصواتاً للجدّة مع صورها، ضمن أزمنة مختلفة، وتُلحق صوراً بأخرى كأنّها تصنع سردها الخاص بمعزل عن الجدّة، بعملية مونتاج قصيرة، إنّما العمليات هذه متكرّرة، فتصنع بذلك ما أرادت أن تصوّره من جدّتها، لا ما أرادت الجدّةُ، سيّدةُ الوثائقي هنا، أن تُصوَّر به.
تلك الثنائية (تفاوتات الصوت والصورة للشخصية ذاتها وبالتاليخلق جونا لسردها الخاص) التي أتت في بنية الوثائقي، في الشغل التقني له، أتت كذلك في صلب موضوعه. وهو المتعلق برغبة الجدّة في بالانفصال عن سياقها، أو برغبتها في الخروج من حاضرها إلى ماضيها. فالانفصال عن السياق هنا هو لا أقول عودة إلى الماضي، بل الإتيان بالماضي إلى تلك اليوميات.
لم يكتف ذلك الانفصال بانغماس الجدة في أخبار الآخرين وحيواتهم (التلفزيون، الجريدة، الراديو)، وذلك انفصال عن المكان، بل امتدّ إلى انفصال عن الزمان، باقيةً في مكانها، حاملة ماضيها مع زوجها والعائلة والأصدقاء إلى “هنا”، بمكانها ذاته، إلى حاضرها. نراها تشاهد أشرطة فيديو قديمة وتحكي عنها، هي لعرس عائلي، نراها تتفرّج على ألبوم صور عتيقة، ولأنّ صحيفة “الاتحاد” الصادرة عن الحزب الشيوعي كانت كذلك شأناً خاصاً للكثير من فلسطينيي الدّاخل، كذلك تكون الصحيفة المجاورة لسرير الجدّة، انفصالاً زمانياً وليس مكانياً، تقرأها كأنّها تقلّب ذكريات عائلية لا أخبار جديدة.
مثال أكثر عالمي منه شخصي، لهذا الانفصال الذي تعيشه الجدّة في بيتها النصراوي، هو مشاهدتها لتنصيب باراك أوباما رئسياً، على التلفزيون، في وقت تُبقي تمثالاً صغيراً لرأس لينين في غرفتها. هنا ندرك أنّ رغبة الجدّة في الخروج عن سياقها الرّاهن يأتي بطبقات متعدّة ومتعلّقة ببعضها: الذاتي والموضوعي، مع إدراك -كما يبدو- منها أنّ لا الذات هنا والموضوع سيعود إلى “راهنيته”، فصور الاحتفال برئاسة أوباما تأتي من تلفزيون بصوته وإضاءته، ورأس لينين جامداً في الظل بالكاد نرى ملامحه. نزق الكبار المحبَّب، في الجدّة، وضيق صبرها وشتائمها في الحديث عن كل الأزمنة يشي بذلك. تردّدها إلى الكوافير وصبغ شعرها وقصّه، يدلّ على ذلك.
تدرك الجدّة أن لا ذاتها ولا موضوعها سيعودان إلى راهنهما وحاضرهما، إلى سياقاتهما، وقد علِقت في حاضرها، لوحدها، فتعيش بين ثنائيتي النوستالجيا والانفصال، متشبّثةً بالأولى لتحقّق الثانية. وبذلك تتحقّق مقولة الفرنسي جيل دولوز بأنّ الحاضر يصلح لمجمل الزّمن إن تمكّنا من تحريره من راهنيته الخاصة. وهذا ما فعلته الجدّة مع ماضيها (حاضر ذلك الزمن) وقد حرّرته. يقول دولوز في «سينما: الصورة-الزمن»: “إذا ما تميز الحاضر حالياً عن المستقبل والماضي، فلأنّه ذكرى شيء، يكف عن أن يكون حاضراً عندما يحل شيء ما محله.” والجدّة لا تريد أن يحلّ “حاضر” اليوم محلّ “حاضر” الأمس. فحرّرت الجدة “حاضرها” الماضي من راهنيته لتعيشه في راهنها اليوم، بالأشرطة والصور، لتعيش بذلك انفصالها. ولم يحلُّ شيء ما محل ذلك الزمن عندها، فلم تكف تلك الأزمنه عن أن تكون “حاضراً” ممتداً ودائماً للجدة التي تمضي وقتاً في الشّتم المحبَّب لتلك الأزمنة التي علقت فيها (والنّصراويون يشتمون إن أحبّوا). ليست هي إذن تعيش نوستالجيا ساذجة لزمن ماضٍ، بل تحمل، بوعيٍ تعكسه شتائمُها، ذلك الزمن معها إلى اليوم ليكون -مايزال- حاضرها.
هذه الثنائيات، شكلاً ومضموناً، وتناقضاتُها، وبؤس الرّاهن مقابل الذكرى عن ماضٍ أجمل، نراه في الجدّة كما نراه في الناصرة كمدينة نموذجية لحال البؤس الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم.