1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الهدية» لفرح نابلسي… عاديّة الشّر في المرور بحاجز إسرائيلي

تتكرّر السياقات في أفلام لها منشأ واحد، أو مسألة واحدة، وأخصّ حديثي هنا للسياق الفلسطيني، وإن كان هنالك تنوع ضمن هذا السياق يتكرّر على أساس المكان والمجتمع الذي يتناوله الفيلم. القسم الأكبر من الأفلام الفلسطينية يحكي عن أفراد داخل فلسطين، فيتلقى المشاهدُ تكراراً في السياقات التي تُروى له ضمنها الحكاية، وهي سياق أرض محتلة. يبقى الشغل الأكبر لصنّاع الأفلام في تنويعٍ جاذبٍ ومُغنٍ ضمن هذا التكرار، ويكون هذا التنويع، غالباً، محصوراً بعاديّة يعيشها الفلسطينيون، بالروتين اليومي الذي يصعب استثناء مَشاهد محدّدة منه، كحاجز إسرائيلي يؤثر على (بل يُشكّل) عاديّة ويومية الفلسطيني إن كانت الحكاية في الضفة الغربية.

هذه العادية وهذا الروتين كانا محور فيلم الفلسطينية فرح نابلسي «الهدية» (٢٤ دقيقة)، الذي نقلت فيه مُخرجتُه ضمن العاديّة المعروفة، والسياق المتكرر، تنويعاً قد لا يلتفت إليه المُشاهد غير العارف بالضفة الغربية، غير المتعرّض في واقعه لما يَعرضه الفيلم من حالة لا يجب أن تصير عاديّة للشر الذي فيها.

يَخرج يوسف (صالح بكري) صباحاً مع ابنته لشراء أغراضٍ للبيت وهديّة لزوجته، وهو برّاد بدل ذلك المعطّل في المطبخ، في مشوار هو الأكثر عاديّة وروتينية لأفراد آخرين في سياقات أخرى، إنّما العادي هنا لا يكون في هذا المشوار (المسلّي في تلك السياقات) بل في ما يحوم حوله، وما يتوجّب على يوسف عبوره، نفسياً ومادياً، لينجز هذا المشوار، وقد استيقظ باكراً لذلك، ليعود آخر الليل.

يخرجان إذن، ولا بد من عبور الحاجز الإسرائيلي كي يصلا إلى متجر لشراء البراد، وإلى سوبرماركت لشراء الأغراض. يعكّر عليهم الحاجز، بسلوك جنوده، يومَهم. يحاول يوسف تخطي هذا التعكير أمام ابنته، يشتريان ما قد خرجا لأجله، ويعودان من الحاجز ذاته، يتعكّر مساؤهما كذلك، يُجبر يوسف على إدخال البراد -بعدما منع حاجز آخر مرور سيارة التوصيل فاضطر لجرّه بالعربية- من خلال المعبر المخصص للأفراد والضيّق، يُحاصَر بالسخرية والإذلال من قبل الجنود، لتتدخل ابنته أخيراً وتنهي عملية صناعة التعكير هذا، وتنهي الفيلم بتصرّف تمرّدي جريئ وهو لا يخرج عن المنطق المرافق لسلوك الأطفال المتماهية فيه الجرأة بالتهور بقصور إدراكٍ للواقع، وبراءة وخيال طفولي يكون نداً لهذا الواقع.

هذا سياق فلسطيني، داخل الوطن تحديداً، متكرّر لثبوته في واقع الفلسطينيين هناك، في واقع كل فرد منهم يريد التحرّك والتنقل بحريّة نسبيّة بالقدر الأقل والممكن، يريد أن يمضي يوماً عادياً (لا يكون مسلياً بالضرورة) لشراء أغراض للبيت وبرّاد هديّة. والتنويع فيه كان هذه الهدية ومشوارها غير العادي من المتجر إلى البيت، وهذه الرغبة العادية في سياقات أخرى، والأشبه بالعقاب في هذا السياق.

قد يُخبر أحدنا بما حصل كحادثة متكرّرة عنده وعند غيره: خرجتُ صباحاً لأشتري براداً، بسبب الحواجز اللعينة عدت آخر الليل جارّاً البراد. هذا السطر يمكن أن يشكّل قصةً لفيلم في سياقات غير فلسطينية، ناقلاً عناصر قصصية متداخلة ومتطوّرة يتضمنها هذا الزمن، ما بين الخروج صباحاً والعودة ليلاً. لكن في السياق الفلسطيني يبقى هذا السطر مُتداوَلاً دون استغراب السّامع الذي قد لا يجد حاجة للسؤال: لكن ماذا حصل؟

فتوجّب إذن، وكي نصنع من هذا الخبر قصّةً لفيلم، إيجاد أبعاد أخرى يكون “حلُّ” الطفلة للمسألة إحداها.

قلبَ هذا الفيلم عاديّةَ تلك اليومية، فبدل أن تكون العادية بخروج لساعات قليلة يعود بعدها يوسف بالبراد ومشترياته، سعيداً مع ابنته وقد أمضيا نهار عطلة ممتع أو مسلٍّ، كانت العادية بنقيض ذلك تماماً، كانت بإرهاق وإذلال وخوف وتأخُّر، لأب أمام طفلته، ولها، وباحتمالٍ لجريمة (أخرى) يرتكبها الجنود على الحاجز. وفي هذا السياق المتكرر فلسطينياً، أتى التنويع المُغْني في الفيلم.

يعود بنا «الهدية»، سريعاً، إلى فكرة “تفاهة الشر” لحنّة أرندت، ومقصود فيه عاديّة هذا الشّر كحالة وممارسة يومية غير مُدرَكة لما هي تلقائية ومتكرّرة وثابتة. بهذه التفاهة وصفت أرندت أيخمان الموظّف النّازي، وهذ تفاهة تُطلق، بمطابقة تامة كذلك لأيخمان، على أولئك الجنود على الحاجز، كممارسين للشر في روتينهم، في تفاهة عاديتهم. على النقيض تماماً من هؤلاء، أجدني أقلب فكرة أرندت إلى “شرّ التفاهة” لأصف بها يوميّة يوسف وفلسطينيي الضفة المارين على الحواجز بساديّة جنودها، كحالة وتجربة يومية، بما في ذلك من عاديّة لهذا السلوك، والشرّ في تفاهته.

هذا الشر، على الجانبين (شرّ العادية التي يعيشها يوسف كنتيجة، والشر العادي الذي يعيشه الجنود كسبب) هو مشوار هذه الهديّة بين مكانين فلسطينيين يفصل بينهما حاجز.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.