1, الأولى
اكتب تعليقُا

«ذا شاينينغ»: الفيلم الذي سلب الروايةَ حكايتَها

توجد علاقة دائمة الحضور في السينما، تكون بين الفيلم والرواية المنقولة عنها حكايةُ الفيلم، والفيلم ليس تصوير الرواية. هو ليس النقل “المخلص” للرواية إلى الشاشة، ولا هو نقل “خائن”. العلاقة أكثر تشابكاً بين الاثنين لسبب أساسي هو أننا نحكي عن عالمين مختلفين، عن وسيطين فنّيين لكل منها أدواته وأساليبه ومعاييره، وإن كانت الحكاية التي تصل متلٍقّيها بالصور أو الكلمات، هي ذاتها.

هذا ما يجعل الكثير من المؤلفين الذين نُقلت حكايات رواياتهم إلى أفلام، غير راضين أو حتى غاضبين، خاصة إن كان الفيلم جيداً، ويزيد غضبهم كلّما زادت جودته، فيسلب الفيلمُ الروايةَ حكايتها، ويسلب الشخصيات من مؤلفها الأوّل. وهذا متوقَّع إن ظنّ الكاتب أن المخرج يصوّر الرواية، لا أكثر، أو “يترجمها” إلى فيلم، أو كأن يقول الكاتب عن إحدى الشخصيات: “هذه ليست التي كتبتها” كما قال ستيفن كينغ عن بطلة هذا الفيلم.

إساءة إدراك العلاقة تلك، بين الفيلم والرواية، ستجرّ إساءة لإدراك كل من العملين الفنيين، كأنّ أحدهما “يُحاكَم” بأدوات الآخر، أو يُرى بمنظار الآخر. فكما يُفضّل عدم مشاهدة الفيلم قبل قراءة الرواية كي لا تغلب الصور على الكلمات والخيال الناتج عنها، فلا يجب، في حال قراءة الرواية أولاً، أن تكون الكلمات والخيال مؤسساً للصور في الفيلم ومعياراً لها.

 لكن كذلك، قد نتفهّم أن لا يُعجَب كاتب رواية بفيلم نقل حكايتها، لأسباب تخصه هو كعارف أوّلي بالحكاية، كمؤلفها الذي سيقيس (خاطئاً) كل نُقل لها أو عنها (حتى المقالة النقدية) بمعارفه غير الموضوعية، ونظرته إلى الحكاية وشخصياتها، وهي نظرة ذاتية لا يشاركه إياها أحد، كأنه “الراوي العليم” الوحيد لها. فيخطئ أي كاتب إن كان تلقّيه لأي رأي، وإن محكياً، عن روايته كعبارات تُمتَحن بمدى مطابقتها لما في ذهنه. فالنصّ، متى طُبع ونُشر ووصل للقارئ، استقلّ وخرج عن سيطرة مؤلفه وتفسيراته الشخصية له.

 إلى ذلك، برأيي، يعود غضب الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ الذي انتقد فيلم «ذا شاينينغ» لستانلي كوبريك قائلاً إنّه ابتعد كثيراً عن روايته، وهي بالعنوان نفسه. ونُقل عنه قوله إن كوبريك صنع الفيلم من خلال صور ذاكرته عن الرواية، وإن الفيلم نقلٌ متواضع للرواية، وهو الوحيد الذي يكرهه من بين الأفلام التي نقلت روايات له. وإلى جانبه صفّ الاستقبال النقدي للفيلم الجديد في حينها.

قول كينغ هذا نابع من أمر واحد، برأيي، هو قيمة الفيلم العالية، أو لنقل “عظمة” الفيلم الذي يصعب لعارف ومحب للسينما أن يقلل من شأنه، وهذه “العظمة” بانت مع الزّمن، وقد سلبت من الرواية حكايتها وشخصياتها، فكان الفيلم هو الناقل الأول، اليوم، لحكاية جاك وزوجته وابنه وقد انتقلوا للإقامة لفترة في فندق معزول (خاصة إن عرفنا أن الحكاية تحتوي عناصر سيرة ذاتية لكينغ). وهذا، بغض النظر إن ضايق كينغ أم لا، يُحسب للفيلم الذي تفوّق على الرواية في نقل هذه الحكاية. وعموماً، لا يمكن أن نتوقع غير ذلك مادام الحديث هو عن مخرج كستانلي كوبريك.

هذا الشهر (أيار/مايو ٢٠٢٠) يكمل الفيلم عامه الأربعين بأسئلة منه وعنه لا تنتهي (الوثائقي «الغرفة ٢٣٧» عن الفيلم يطرح العديد منها)، العلاقة بين الرواية والفيلم أحدها، لكن بعضها، بل الكثير منها، يتعلق بالنسخة الكوبريكية من الحكاية، بإضافات كوبريك السردية والبصرية والصوتية. بالغموض والرموز التي لا نزال نكتشف الجديد منها مع كل مشاهدة للفيلم.

«ذا شاينينغ»… The Shining

هو أحد الأفلام الأكثر فرادة في الربع الأخير من القرن العشرين، من اسمه إلى بعض مضامينه وقد صارت رموزاً: الفندق الكبير، المتاهة، الفتاتان، الفأس، الطفل وعربته، الدماء تنزل شلالات على باب المصعد، وغيرها. أيٌّ من هذه الصور ستحيل إلى فيلم الرعب السيكولوجي هذا، أينما تواجدت.

والرعب في الفيلم يعتمد أساساً على ما هو غامض ويثير القلق من احتمالات ممكنة، وليس على مشاهدة مباشرة، فالفندق غير معتم، والصور المرعبة هي لطلفتين، وهما ضحيتين في سياق الحكاية، والزوج، حامل الفأس ملاحقاً زوجته وابنه، لم يبدُ مريضاً أو خطراً في النصف الأول من الفيلم، وأخيراً، لا نرى جريمة تُرتكب في الفيلم، غير اللقطة البعيدة وشبه المعتمة التي يُقتل فيها مسؤول في الفندق.

كأنّ الرعب لا يأتي مما نشاهده على الشاشة بل من احتمالات ما يمكن أن يتبع، وهو ما يتولى خيالُنا وضعها. والخيال في الفيلم لا يتعلّق بالمُشاهد فقط، بل بشخصياته، وقد ارتبطت بحكاية قديمة فيه، دخل جاك عالمها ووجد نفسه يكرّرها، وهي رجل يقتل أسرته بالفأس.

بعد المقابلة التي يجريها جاك مع مدير هذا الفندق الضخم الذي سيغلق أبوابه فصل الشتاء كاملاً، يأتي وزوجته وابنه ليمضيا الفصل في الفندق لوحدهم، ليتفرّغ أكثر للكتابة ويعتني بالفندق. يمرّ شهر بعد وصولهم إليه، ثم يبدأ الزمن بالتباطؤ في منتصف الفيلم، مع بدء علامات وخيالات غريبة بالظهور، إذ تمرّ أيام، ثم بالتباطؤ أكثر في نهايته إذ تمرّ ساعات تحاول فيها كل من الأم وابنها الهرب من جاك.

يدخل جاك في عالم حكاية قديمة في الفندق تقول بأن أحد المعتنين به منذ سنين قتل زوجته وطفلتيه ثم انتحر، بالفأس. وككاتب ربما، ومغمور تحديداً، انغمس جاك في الحكاية وبدأ يتقمّصها. يساعده على ذلك تاريخه العنيف مع طفله وزوجته والمرتبط بحالة إدمان على الكحول، وما يبدو خيالات استعادية للجريمة وقدرات تنبؤيّة لطفله في ما سيحصل.

هو أحد أفضل أفلام أحد أفضل المخرجين، وهو مليئ بالرموز وبمضامين مختبئة وبواعث لتأويلات عدة، وإحالات تاريخية، و”أخطاء” مقصودة من خلال تفاصيل في الديكورات وحركات الكاميرا لتزيد من غموض متاهة الفندق، وإكماله الأربعين عاماً اليوم فرصة لإعادة مشاهدته بإدراكات جديدة ربّما.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.