1, الأولى
اكتب تعليقُا

ستانلي يحدّثنا في «كوبريك من قبل كوبريك»

هنالك دائماً جانب نقدي لدى سينمائيين لا يكتفون بالعمل الفنّي، بل يتجاوزونه إلى القراءات النقدية أو الفكرية لأعمالهم ولعموم السينما، فيكون النّقد مرجعياً لديهم كما هي أفلامهم مرجعيات لدى آخرين. هؤلاء المخرجين هم مثقّفون كما هم فنانون، وهم، كذلك، قلّة.

نعرف أن أهم المخرجين ألّفوا كتباً في السينما: فلّيني، بيرغمان، تاركوفسكي، غودار وآخرون، أحد الأسماء العظيمة في تاريخ السينما، كهؤلاء، كان مقلاً جداً في أحاديثه النقدية أو السينمائية، دون أن يعني ذلك أنّه أقل شأناً، هو الأمريكي ستانلي كوبريك (١٩٢٨-١٩٩٩) الذي لم يأتِ إلى السينما من النقد أو الثقافة أو الدراسة، أو من الكلمة، بل أتى من الصورة، وقد كان في بداياته مصوّراً. فكان مقلاً في أحاديثه عن أفلامه، قد يكون ذلك للتلقي النقدي والجماهيري السلبي لهذه الأفلام عند خروجها إلى الصالات، والتي ستصير، مع الزمن، من بين الأهم في تاريخ السينما، كما هو عموم المنجز الكوبريكي اليوم.

من ذلك أتى الوثائقي الذي تبثه قناة ARTE، هذه الأيام «كوبريك من قِبل كوبريك» (غريغوري مونرو، فرنسا، ٢٠٢٠) المبني على حوار مع أحد أكثر المخرجين غموضاً في أفلامه، وجرأةً وتنوّعاً، في تاريخ السينما. وكان الوثائقي مبنياً على تسجيل هذه المقابلة الصوتيّة التي أجراها الصحافي والناقد السينمائي الفرنسي ميشيل سيمان مع كوبريك في لندن قبل رحيله، يحكي فيها كوبريك عن أفلامه، كما يحكي الصحافي في الوثائقي عن هذا اللقاء وعن أفلام كوبريك وما يميزها من تنقيلات الكاميرا (التراڤلينغ) والحركات البطيئة والمتاهات والألغاز التي تكتنف أفلامه، في واحدة من الإطلالات الصحافية النادرة لكوبريك.

معروف إذن عن كوبريك أنه مقل جداً في أحاديثه الصحافية، وإن كان قد احتاجها، خاصة لحالة التلّقي لعموم أفلامه حال خروجها إلى الصالات. أحدها مثلاً كان فيلم «كلوكْوورك أورانج» الذي مُنع في بريطانيا لعشرين عاماً بسبب العنف المفرط فيه، والذي كان انتهاكُ إحدى دور السينما لهذا المنع وعرضها للفيلم خبراً على التلفزيون. كان كوبريك يردّ على الطالبين منه التكلّم والردّ: “ما الذي أخُرج إلى الصحافة لأقوله: صدّقوني أنا رجل طيّب؟”

هذا التحاشي للحديث مباشرة عن أعماله أضاف غموضاً إلى أعماله ذاتها التي تمتلئ بالرموز والإحالات التي مازالت غير محلولة أو تحظى بتفسيرات عدّة. وذلك ما يجعلها، الأفلام، النّاطق الوحيد عن ذاتها، وهذا بالتالي ما يجعلها، كأفلام، موضوعاً لوثائقيات تُكرّس لفيلم دون غيره، كـ «ذا شاينينغ» و«٢٠٠١: سبايس أوديسي» وغيرهما.

معروف أنّ كوبريك من أكثر السينمائيين تنويعاً في أفلامه، بخلاف كثيرين كان لمنجزهم السينمائي موضوع واحد أو موضوعات متقاربة، أو لم تكن أفلام “جانر” مصنّفة بوضوح ضمن هذا النّوع أو ذاك. هنا المسألة مختلفة، فكوبريك أنجز فيلماً أدبياً وكان «لوليتا» عام١٩٦٢، فيلماً عن الحرب الباردة وكان «د.سترينجْلف» عام ١٩٦٤، فيلماً عن الخيال العلمي وكان «٢٠٠١: سبايس أوديسي» عام ١٩٦٨، فيلماً عن العنف المديني وكان «كلوكْوورك أورانج» عام ١٩٧١، فيلماً تاريخياً وكان «باري ليندون» عام ١٩٧٥، فيلم رعب سيكولوجي وكان «ذا شاينينغ» عام ١٩٨٠، فيلم حرب وكان «فُل ميتال جاكيت» عام ١٩٨٧، وأخيراً فيلمه الذي رحل كوبريك عن عالما فور إنجازه، وكان «آيز وايد شَت» عام ١٩٩٩، الذي تطرّق (ترميزاً) للماسونية ومنعت الرقابة أجزاء منه وكان رحيل كوبريك، المفاجئ أثناء نومه، كذلك غامضاً ومرتبطاً بالتهديدات التي وصلته بسبب الفيلم.

ليست هذه أفلامه كلّها طبعاً، لكنّها أفضلها، وهي آخرها في مسيرته الفيلميّة، ويمكن أن يُعتَبر كل من هذه الأفلام فيلماً أفضل في نوعه (جانره) مع تباينات في الأذواق طبعاً، إنّما يمكن لها أن تنافس بشدّة في أي لائحة جدّية (مهما كانت ذاتية) لأي أفضل أفلام في أيّ من هذه الأنواع.

هذا التنوع في مواضيعه، بأزمنتها وأمكنتها وشخصياتها، لا يعني أنّه لم يكن لكوبريك ما يجمعها أسلوبياً. الرمزية في أفلامه، الألغاز والغموض فيها، الحركات الانسحابية للكاميرا، الانتقالات الحادة في السرد، جميعها كانت سمةً كوبريكيّة خاصة. لذلك ربّما تجنّب هو الحديث عنها ولذلك حتماً كثرت “البحوث” في هذه الأفلام، من كتب ودراسات ووثائقيات. 

يصعب على وثائقي، مصنوع اليوم، بعد عشرين عاماً تقريباً على رحيل سينمائي كستانلي كوبريك، أن يقدّم الجديد في حياة وأعمال مخرج عظيم كهذا. لكن، وحديثنا عن كوبريك لا ينتهي، وبحثنا عن الرموز في أفلامه كذلك لا ينتهي، هنالك دائماً الجديد الممكن في كل نبشٍ جديد في أفلامه. أمّا الأكبر قيمة فتبقى أحاديث كوبريك نفسه عن السينما لديه، فكرةً وصناعةً وشغفاً شخصياً.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.