1, الأولى
اكتب تعليقُا

«لا كاسا دي بابل»… التكرار لإدامة المتعة

قد يكون نجاح موسمٍ من أي مسلسل هو أصعب ما سيواجهه صانعوه في كتابة وتصوير الموسم التالي له. الاحتفاظ بالمشاهدين وعدم تخييب توقّعاتهم هو ما يتوجّب الاعتناء به أثناء التحضير للموسم التالي لموسم ناجح، وتحديداً، في حالتنا هنا، لمواسم ثلاثة ناجحة، وإن بتفاوت، وهو حال المسلسل الإسباني «لا كاسا دي بابل».

الموسم الرابع الذي بدأ بثه على شبكة نتفلكس قبل أيام لـ «لا كاسا دي بابل» (La casa de papel)، وبثماني حلقات، كان إضافة نوعية لمواسم المسلسل السابقة. فوق ذلك، تخطى بجودته الموسم الثالث الذي خرج عن الخط العام الذي تأسس حوله المسلسل وهو “المقاومة من داخل الحصار”.

في هذا الموسم عاد المسلسل إلى المقاومة من الداخل، وقد يكون ذلك إشارة إلى ما سيليه من مواسم. واضح من نهاية هذا الموسم أنّ هنالك آخر، خامس، وأنّه سيكون كذلك من داخل المصرف، مقاومة للسلطة في الخارج من الداخل. الحلقة الأولى من الموسم الأول أسست لذلك، وبنى المسلسل بكل مواسمه، نجاحه عليه، على الكيف والماذا الناشئة من حصار عنيف، والخارجة بأفكار “عبقرية” في كيفية التخلص من مكائد ومعارك هذا الحصار، مع بقاء “للبروفيسور” -طبعاً- في الخارج، وهذا الدّور المكمّل لما يقوم به فريق العصابة “الدّاليّة” الحمراء للنجاح في سطوهم.

هذا الحصار لأفراد العصابة “الخيّرة” داخل المصرف، يجعل الأحداث بمعظمها تجري فيه، ما يشبه العديد من الأفلام المحصورة مشاهدُها في أماكن مغلقة، فتكون بالتالي معتمدة بشكل أساسي على الحوارات، كبنية أساسية يقوم عليها السيناريو. لكن السيناريو في هذا المسلسل -بما في ذلك موسمه الأخير- يقوم بالدرجة ذاتها على الحبكة بمعزل عن الحوارات التي تقدّمها، والحبكة هنا تكون محفّزاتها غالباً من خارج أسوار المصرف (مصرف إسبانيا المركزي المحاصَر)، هي أفكار “البروفيسور” واستدراكاته وردود فعله الملتزمة بشكل حازم (قدر المستطاع) بخطّة متشعّبة وشاملة ومدركة لكل الاحتمالات وموضوعة مسبقاً.

كتابة المسلسل المعتمدة على هذين المحفّزين لتطوّر الحلقات (الأحداث من الداخل والأفكار من الخارج)، كان سبباً أساسياً في نجاح هذا الموسم (وعموم المسلسل)، ونضيف إلى ذلك الإخراج والتصوير والمونتاج، والتشوق الذي تتجمّع كل هذه العوامل، مع أداء الممثلين، على رفعه إلى أقصى حالاته.

في مقالة سابقة (“القدس العربي”، 12/08/2019) كتبتُ عن سبب النجاح الجماهيري لمسلسل كهذا، وقدرته الاستثنائية على خلق هذا التماهي بين المُشاهد وأبطاله، لكنّي هنا أتحدّث عن أسباب أخرى ليست جماهيرية بالضرورة، بل نقدية، تخصّ سؤالاً آخر هو: لماذا «لا كاسا دي بابل» عمل فنّي بمستوى عالٍ؟ ولماذا يستحق تقييمات نقدية (علاوة على الجماهيرية) تكون عالية؟

لا تتفق بالضرورة جماهيرية العمل الفنّي وفنّيته، بل عادة ما تختلف. هذا المسلسل جمع بين الاثنين، فيه سؤال كتابة حوارات داخل مصرف مغلق، فيه سؤال بناء الحبكة من الخارج، فيه سؤال استعادات فلاشباكيّة وبالتالي ربط الحكاية الراهنة بأخرى سابقة لها، ضمن خطّين سرديّين متوازيين وزمنيّين متلاحقين، يكمل أحدهما الآخر، وشارحاً له. فتُنقل الحكاية إلى متلقّيها من ثلاثة مواقع: اثنان متباينان مكانياً (داخل المصرف وخارجه) وآخر ثالث متباين معهما زمانياً هو الأيام السابقة التي كان يشرح فيها “البروفيسور” الخطّة، لندرك، راهناً، ما يحدث، أو لنشاهد التطبيق الحَرْفي والحِرَفي لهذه الخطّة من داخل المصرف.

المتعة في ذلك لا تقتصر على كتابة بديعة، وكذلك إخراج ومونتاج، بل كذلك على الشخصيات، من الفريقين: عصابة السّطو الخيّرة وعصابة الشرطة الشريرة. الأداء مسألة أخرى، يمكن لمسها مباشرة من خلال المُشاهدة، لكن ما يهمّني هنا هو كتابة هذه الشخصات ضمن الحكاية، فكانت الكتابة ضامنة للمتعة متجنبة للملل، خاصة أنّنا أمام مواسم أربعة هي في معظم أحداثها داخل محل مغلق (وهذا يهدّد بالملل)، وأنّنا في حكاية تكرّر نفسها إنّما بنسخٍ محدَّثة تستفيد من عناصر الإمتاع في السابقة لها: عملية سطو ومعارك وخطط لمواجهة حصار الدولة والشرطة. ولضمان أكبر في المتعة كان لا بد من تغيير في الشخصيات. أفراد تعلّق بهم مشاهدون (برلين، موسكو، نيروبي) يرحلون وآخرون يأتون (بوغوتا، مارسيليا)، الراحلون يأخذون معهم سماتهم والآتون يحملون سمات جديدة وخاصة تضيف تنشيطاً وتنويعاً على ما سبق للمُشاهد استيعابه كأحد العناصر المكوّن لهذه العصابة. هذا التبادل بين اللاعبين أضاف (كما في أي مباراة) إلى الحكاية زخماً خاصاً، علاقات جديدة، ألواناً منعت رتابة التكرار. فتكرار الشخصيات أو بقائها على حالها ما كان ليتوافق مع التكرار في عمليات السطو وأساليب وأفكار “البروفيسور” في الإفلات والانتصار الذكي في معركة تلو أخرى. في كل ذلك تكرار إنّما بتنويعات هي فعلاً حافظت على السّمين مما سبق ورمت الغثّ. وقد تكون الإشارة (الكلامية والصّورية) إلى عملين أدبيين ضخمين كرواية الفرنسي مارسيل بروست «بحثاً عن الزمن المفقود» والإسباني ثربانتس «دون كيخوته» علامةً على استمرارية القتال العبثي مع الدّولة، والعودة في ذلك إلى الذكريات كخط سردي موازٍ، وعلامة على أنّ الحكاية كلّها، ستطول بتكرّرات متوالية مع تنويعات لا بد منها، ولذلك كله لا بد من إدامة المتعة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.