1, الأولى
اكتب تعليقُا

إعادة تشكيل الرّوتين… كيف كان يمضي الكتّاب أوقاتهم؟

قد لا ينتبه أحدنا إلى روتينه اليومي ما لم يضطر إلى تغييره، فيجلب هذا التغيير معه انتباهاً إلى ما تغيّر، إلى الحالة التي لم تعد موجودة، بإحلال غيرها محلها، فيها من الغرابة والجدّة ما يحملنا، ولو للحظات، على إعادة التفكير بحالاتنا السابقة، بالروتين اليومي الذي كنّا فيه، مقابل الحالة الرّاهنة والروتين المجبورين على اتّباعه، ضمن إمكانات محدودة بجدران المنزل، كأي حبس منزلي أو حجر صحّي كالذي يعيشه معظم سكّان هذا العالم اليوم، الطريقة الأوحد للحد من انتشار فايروس كورونا.

أعادني هذا الروتين الجديد الذي أعيشه (مُجبراً) في البيت، والذي أجد به وقتاً أكثر للكتابة، إلى تفحّص روتين كتّابٍ في هذا العالم في أزمنة متفاوتة وغير خاضعة لحجرٍ ما. أعادني بالتالي إلى كتاب «Daily Rituals» («روتين يومي» لمايسون كوري، ولا أعتقد أن ترجمة عربية صدرت له)، وهو عبارة عن مقتطفات منتقاة من حوارات ونصوص لمبدعين عالميين (كتّاب وسينمائيون وموسيقيون وفنانون…) يحكون فيها عن روتينهم الذي يصنعون فيه إبداعهم. سأختار في هذه الأسطر ما يهمني منهم، أي الروائيين، والحديثين نوعاً ما، فلن أرجع إلى القرن الثامن عشر مثلاً، لن أحكي عن دوستويفسكي وفلوبير وبلزاك وديكنز وملفيل وآخرين، حالَ أزيدُ من قرن من الزمان بين روتينهم وروتيننا الكورونيّ في ٢٠٢٠.

قد يكون أكثرهم التزاماً بروتينه هو الألماني توماس مان («الجبل السحري» و«دكتور فاوستوس») الذي كان يستيقظ في الثامنة، يشرب قهوته ويستحم، ويفطر مع زوجته. في التاسعة يدخل إلى مكتبه ويغلق الباب، لا زوّار ولا عائلة ولا تليفونات حتى الظهيرة. كانت هذه الساعات الثلاث هي وقت الكتابة، ما لم يكتبه فيها يؤجّله إلى ساعات اليوم التالي. بعد الغداء يقرأ قليلاً، ثم قيلولة. في المساء يكتب رسائل ومقالات.

كان الأمريكي هنري ميلر («مدار الجدي» و«مدار السرطان») أكثر تسامحاً، إذ كان يكتب نهاراً، وكان في شبابه يكتب ليلاً إلى أن اكتشف أنّه كائن صباحي. في باريس تحوّل للكتابة صباحاً حتى ما بعد الظهر، وبعد القيلولة يستعيد نشاطه الكتابي حتى آخر المساء. مع تقدمه في العمر اكتشف بأنّ ساعات ما بعد الظهر ليست منتجة، فاكتفى بساعات الصباح للكتابة، فهو لا يعتقد بضرورة “إفراغ الخزّان” كما قال، بل بضرورة التوقف عن الكتابة حين يكون مايزال لديه ما يريد قوله. وهذا ما سنجده لدى مواطنه همنغواي.

إرنست همغواي («الشيخ والبحر» و«لمن تُقرع الأجراس») أقرب لمراسل حربي، أو صيّاد، إذ يستيقظ في السادسة، مهما سهر أو شرب. يكتب مع طلوع الصباح، فليس هنالك من يزعجه. يتوقف حين يعرف ما سيحصل لاحقاً. يعيش ما كتبه خلال النّهار إلى صباح اليوم التالي حين سيستأنف الكتابة. كان يكتب واقفاً، على آلة طابعة بمستوى صدره، مع لوح فوقها، معلّق عليها مسوداته المكتوبة بقلم رصاص، وحين تعصى عليه الكتابة الأدبية يبدأ -كغيره- بكتابة الرسائل التي تعطيه استراحة من “المسؤولية الفظيعة للكتابة” أو كما كان يقول “مسؤولية الكتابة الفظيعة”.

كان للأمريكي سكوت فيتزجيرالد («غاتسبي العظيم» و«والليل رقيق»)، في باريس كهمغواي وميلر ولكن بخلافهم وقتياً، روتين كتابة غير صباحي، إذ كان يستيقظ في الحادية عشر، يبدأ الكتابة في الخامسة عصراً، يكتب بانقطاعات حتى الثالثة فجراً، وكان يمضي العديد من لياليه في الخارج، في المقاهي. كانت الكتابة تأتيه في نوبات متقطعة، وكان الكحول عنصراً أساسياً في العملية الإبداعية عنده.

مواطنه ويليام فوكنر («الصخب والعنف» و«بينما أرقد محتضرة») كتب في أوقات متفاوتة حسب الضرورة، لكن معظمها كان صباحياً. في فترة عمله الليلي كان ينام صباحاً ويكتب بعد الظهر، إلى أن يذهب إلى عمله، ماراً، قبله، بوالدته ليشرب القهوة. تغيرت ظروفه، اشتروا بيتاً وأوقف عمله ليتفرغ لتصليحات البيت، فكان يستيقظ باركراً ويكتب طوال الصّباح. بعد الغداء ظهراً، يكمل تصليحات البيت ثم يقوم يتمشى أو يركب الخيل.

الفرنسي مارسيل بروست («البحث عن الزمن المفقود»)، بخلافهم جميعاً، كان، باختياره، يكتب ليلاً، وكان لديه امتياز أن يكرّس وقته كلّه لذلك، فانسحب من الحياة الاجتماعية وتقوقع في غرفته في باريس وكرّس حياته لكتابة مشروعه الروائي المكوّن من أكثر من مليون ونصف المليون كلمة. يكتب ليلاً وينام نهاراً، ويخرج متى احتاج لأجل كتابته. يستيقظ بين الرابعة والسادسة مساءً، يدخّن وتُدخل له الخادمة القهوة والحليب والكرواسان. وكان يكتب مستلقياً على سريره.

الروسي فلاديمير نابوكوف («لوليتا» و«بْنين») يستيقظ في السابعة، يبقى في سريره حتى الثامنة حيث يتناول فطوره ويحلق ذقنه ويستحم. يكتب حتى وقت الغداء، في الواحدة. يعود سريعاً إلى الكتابة التي ستستمر حتى السادسة والنصف. يتعشى مع زوجته في السابعة. ولا يكتب بعدها. يذهب إلى سريره في التاسعة، يقرأ لساعتين ثم يأتيه الأرق ليتركه ينام في الواحدة.

هذا الدّلال (لبروست ونابوكوف) لم يكن يعيشه التشيكي فرانتز كافكا («المحاكمة» و«المسخ») الذي كان يكتب ليلاً كذلك، لكنه أقل حظاً من غيره، إذ كان عليه أن يعمل كموظّف من التاسعة صباحاً حتى الثالثة، وكان يعيش مع أهله، فلم يكن يستطيع الكتابة سوى ليلاً حيث الجميع نائم. إثر عودته من العمل، ينام حتى السابعة مساء، بعدها تمارين رياضية، ثم مشيٌ، ثم عشاء. أخيراً، عند الحادية عشر يبدأ بالكتابة حتى الواحدة أو الثالثة صباحاً، وأحياناً السادسة “حسب قوّته وحظه ورغبته” كما قال. بعدها يحاول جاهداً أن ينام.

الإيرلندي سامويل بيكت («مالون يموت» و«في انتظار جودو») وضع نفسه في حجرٍ سمّاه “الحصار في الغرفة” وكتب خلاله أفضل كتبه. كان يستيقظ بعد الظهر، يتناول فطوراً، بيضاً مخفوقاً، ثم ينسحب إلى غرفته ويكتب إلى أن يتعب، وذلك حتى المساء حيث يخرج للتجوّل في باريس، ويعود متأخّراً لينام. 

أما الإنكليزي جورج أورويل («مزرعة الحيوان» و«١٩٨٤») فكان عليه أن يعمل، وكان من حسن حظه أنّه عمل في مكتبة لبيع الكتب المستعملة في لندن، وبساعات دوام ملائمة. كان يستيقظ في السابعة، يذهب لفتح المكتبة، ويبقى لساعة. بعدها يكتب في وقت فراغه حتى الثانية، حينها يعود إلى عمله ويبقى حتى والسادسة والنصف، ما منحه فرصة للكتابة تكون بين الصباح والظهيرة.

الإيرلندي جيمس جويس («يوليسس» و«صورة الفنان في شبابه») كان يستيقظ في العاشرة، فنجان قهوة وتأملات أو أحاديث حتى الحادية عشر. الغداء في الواحدة، وبين الثانية والسابعة يعطي دروساً في البيانو ويذهب مع زوجته إلى عرض أوبيرا أو مسرحية. لاحقاً صار يكتب في فترة ما بعد الظهر، ويخرج مساء إلى مطاعم ومقاه ليشرب مع أصدقائه، كانت له حياة اجتماعية أكثر من الآخرين، حتى في مرحلة كتابة «يوليسس» لاحقاً.

إلى زمن أقرب إلينا، وكتّاب مازالوا على ينتجون كالياباني هاروكي موراكامي («كافكا على الشاطئ» و«الغابة النرويجية») أو رحلوا عن عالمنا في السنوات الأخيرة كمن سأذكرهم. أما موراكامي فروتينه أكثر رفاهية ونظاميّة وعصرية من غيره. يستيقظ في الرابعة، يكتب بشكل متواصل لست ساعات، بعد الظهر يمارس الركض والسباحة، يقرأ ويستمع لموسيقى، ينام باكراً في التاسعة. يكرر هذا الروتين بلا تنويعات عليه، التكرار بالنسبة له هو المهم هنا. والصحة الجسدية كذلك. لا يدخّن، يشرب قليلاً. يتبع نظاماً غذائياً صحياً، يعيش في الرّيف، معزولاً عن أي حياة اجتماعية.

بشكل نقيض له، لم تستطع الأمريكية توني موريسون («الفردوس» و«رحمة») أن تكتب بشكل منتظم للأشغال التي كانت تلتزم بها، كمحررة في دار نشر، ومحاضِرة في جامعة، وأم وحيدة لولدين، وهذه حياة معاصرة كذلك بانشغالاتها. وموريسون تلغي من حياتها المناسبات الاجتماعية، فلا تذهب مساء إلى حفلات أو أمسيات لكونه الوقت الأساسي لها كي تكتب. في سنوات لاحقة، ستستطيع أن تجد وقتاً صباحياً للكتابة، وهو ما تفضّله، لتصحى في الخامسة.

الألماني غونتر غراس («طبل الصفيح» و«مئويتي») كان يفضل كذلك الكتابة النهارية، فلم يكن يكتب ليلاً، أبداً. يحتاج إلى ضوء النهار كي يكتب. بين التاسعة والعاشرة صباحاً يتناول إفطاره مع موسيقى وقراءة، بعدها يكتب، ثم استراحة قهوة بعد الظهر، فيعود للكتابة حتى السابعة مساء.

أقل التزاماً بروتين معيّن، كان للإيطالي أمبرتو إيكو («اسم الوردة» و«بندول فوكو») أسلوب حياة كتابيّ يشبه زماننا، فإن كان في بيته الريفي، يستيقظ، يفتح كمبيوتره يتفقد إميلاته ويقرأ ويكتب شيئاً إلى ما بعد الظهر. بعدها يذهب إلى القرية ليشرب كأساً في البار، يعود ويشاهد التلفزيون أو فيلماً حتى الحادية عشر، بعدها يستأنف العمل والكتابة حتى الثانية صباحاً. في ميلانو حيث يعمل في الجامعة، لا يكون وقته ملكه فيكتب دون روتين ثابت.

بشكل مماثل له، لم يكن الأمريكي فيليب روث («حكاية أمريكية» و«الوصمة البشرية») كاتباً صباحياً، إذ يكتب بعد الفطور والتمارين الرياضية، بين العاشرة والسادسة، يتخللها ساعة غداء وقراءة الصحيفة. بعدها، مساءً، يقرأ. وذلك بشكل يومي. ونظام يومه يعود إليه تماماً، فقد يعود بعد العشاء للكتابة لساعات، وقد يصحى في منتصف الليل ليكتب إن أراد. فهو حاضر للكتابة طوال اليوم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.