1, الأولى
اكتب تعليقُا

استعادة فيتوريو دي سيكا كأحد أبرز سينمائيي “الواقعية الجديدة”

يصبح المخرج كبيراً بفيلم عظيم واحد أحياناً، وغالباً ما يحول الفيلم هذا دون مجالات تُسفح لأفلام أخرى للمخرج ذاته قد لا تكون، جماعة أو فرادى، أقل “عظمة” من الفيلم عينه، لكنها تبقى مختفية في ظلٍّ ما، كلّما تم الحديث عن المخرج، وكلّما حمل الحديث محدّثَه إلى فيلمٍ دون غيره. هذا هو الحال مع الإيطالي فيتوريو دي سيكا وفيلمه العظيم (أحد أجمل الأفلام في تاريخ السينما برأيي) «سارق البسكليت».

البرنامج الاستعادي لهذا المخرج الإيطالي، وأحد أبرز الأسماء في تيّار “الواقعية الجديدة” الإيطالي، كان فرصة لاكتشاف وإعادة اكتشاف مجموعة واسعة من الأفلام التي تركت علامة على أحد أبرز التيارات السينمائية في التاريخ، وقد كانت هذه الأفلام، أفلام المخرج وأفلام التيار، تتشارك كاتب السيناريو الأبرز في إيطاليا، الكاتب لمعظم هذه الأفلام أو المشارك في كتابتها، سيزار سافاتيني.

ولد دي سيكا عام ١٩٠١، في سورا، في تشيوتشارا وأمضى طفولته في نابولي. في ١٩١٢ انتقل مع عائلته إلى روما حيث سيتمُّ دراستَه في المسرح لاحقاً. وفي بداية الثلاثينيات، مع شيوع السينما الناطقة، بدأ يبرز كممثل، ورغم نجاحه في ذلك، إلا أنه توجه إلى الإخراج الذي سيصير مهنته الأولى، فصوّر فيلمه الأول عام ١٩٣٩، وبدأت أفلامه بالتوارد، وهي كثيرة، إلى أن يصل في مراحله اللاحقة إلى أفلام ستصير من بين الأفضل في تاريخ السنيما، مع عنصرين مشتركين بين معظمها هما البؤس الذي تعيشه شخصيات أفلامه، والكوميديا التي يتناول بها هذا البؤس، هي ليست كوميديا ساخرة بل ناقدة ومتعاطفة، كوميديا ميلانكولية.

في الأربعينيات بدأت ملامح “الواقعية الجديدة” وقد بدأ العمل مع سافاتيني، وبدأت ملامح البؤس الموسومة بالحرب العالمية الثانية، وحالة ما بعد الحرب من فقر، تسيطر على مواضيعه. بدأت أفلامه تساهم في حالة إعادة بناء الشخصية الإيطالية الجديدة، ما بعد الفاشية، سينمائياً، وكان بُعدها الأساسي إنسانياً منحازاً للفقراء، المتضررين الأساسيين من الحروب، وهنا بدأت تظهر أفلامه الأشهر: «تلميع الأحذية» في ١٩٤٦،  «سارق البسكليت» في ١٩٤٨، «معجزة في ميلانو» في ١٩٥١، «أمبيرتو دي» في ١٩٥٢. وقد شكّلت هذه الأفلام قبل غيرها مفهوم “الواقعية الجديدة” التي حملت الواقعية المعروفة إلى حينه، إلى واقعية أبعد وأعمق، إلى بؤس منحط على الأرض تماماً كما يعيشه الفقراء وضحايا الحروب، وقد بُنيت أفلام دي سيكا تلك على ديكورات حقيقية، شخصيات يؤديها ممثلون غير محترفين، ممثلون لا يبتعدون كثيراً عن واقع تلك الشخصيات، دون أن يساوم في ذلك على الجمالية السينماتوغرافية للصورة، وذلك رغم انتقادات طالته كممثل، إذ ظهر في أفلام لغيره كانت متواضعة بالمقارنة مع أفلامه هو.

مرحلته التالية وُسمت بإحدى جميلات السينما الإيطالية والعالمية، صوفيا لورين التي واصلت معه مواضيعه “الواقعية الجديدة” في فيلم «التشيوتشارا» في ١٩٦٠، والذي كان نقلاً لرواية مواطنه ألبيرتو مورافيا، ثم استطال مشواره السينمائي، بعدها، مع لورين في «مدانات ألتونا» في ١٩٦٢، «أمس، اليوم، غداً» في ١٩٦٣، «زواج بالإيطالي» في ١٩٦٤، «زهرة عباد الشمس» في ١٩٧٠، وأخيراً، في آخر أفلامه، «الرحلة» في ١٩٧٤. وقد تخلل هذه الأفلام بعض الأفلام الخفيفة التجارية وبعض الأفلام الممتازة ومنها «إل بوم» في ١٩٦٣، و«مكان لعاشقين» في ١٩٦٨، و«حديقة فينتسي كونتينيس» في ١٩٧٠.

يشمل البرنامج الاستعادي في السينماتيك الفرنسية في باريس، هذه الأفلام وغيرها، مما أخرجها دي سيكا أو مثّل فيها، ومجموعها ٤٩ فيلماً، لن يكون معظمها ضمن الأفلام الهامة في تاريخ السينما، لكنّها كذلك لإدراك السيرة السينمائية لدي سيكا، فهو من بين المخرجين المكثرين من أفلامهم التي تتخللها عدد لا بأس به، وقد يُزعج أحياناً، من أفلام بمستوى متوسط أو دونه.

هذا الكلام لا ينفي الفكرة التي بدأت بها هذه المقالة، بل يثبتها، فلا يمكن اختصار دي سيكا في أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، «سارق البسكليت»، خاصة مع تعاون طويل مع اثنين من شركائه في صناعة أفلام عظيمة، كالكاتب زافاتيني والممثلة لورين، تعاون نتج عن أفلام رائعة، لكن الكثرة في الإنتاج تجلب معها، غالباً، تواضعاً في النوعية بين فيلم وآخر، لا تنفي هذه الأفلام تلك، ولا تلك هذه، لكن الأهم هو عدم اختزال تجربة مخرج، مهما قلّ أو كثر إنتاجه، في فيلم واحد مهما كان عظيماً.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.