1
اكتب تعليقُا

«البؤساء» للفرنسي لادج لي

هي فعلاً إحالة إلى رواية الفرنسي فيكتور هوغو، الشهيرة (١٨٦٢)، لكنّها ليست نقلاً للرواية إلى السينما، وهنالك العديد من الأفلام التي فعلت، ومعظمها أتى بالعنوان ذاته، «البؤساء» (Les Misérables).

ليس هذا الفيلم نقلاً للرواية وليس هو استعارة مجانية لعنوانها. الفيلم، بحكاية وشخصيات منفصلة تماماً عن الرواية، هو أقرب ليكون النسخة الحديثة منها، الفيلم هو “بؤساء” فرنسا القرن الحادي والعشرين، زمننا الراهن، بقصّة خاصة بهذا الزمن الفرنسي وشخصياته، بتعقيداته ومشاكله التي تراكمت مع السنوات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

من بين الموضوعات المتعددة في رواية هوغو الضخمة والشاملة، هنالك العلاقة بين الناس، الفقراء تحديداً، والسلطة متمثّلةً بالشرطة، وكان هذا هو الموضوع الأساسي في فيلمنا، العلاقة بين فقراء مهاجرين، من سكّان ضواحي العاصمة باريس، وبين الشرطة المحليّة، الفاسدة والمتنمّرة والمعتدية.

الفيلم الذي أخرجه الفرنسي لادج لي، في أول فيلم روائي طويل له، شارك في مهرجان كان السينمائي الأخير ونال جائزة لجنة التحكيم، هو الآن مرشّح لنيل جائزة أفضل فيلم دولي في حفل الأوسكار القادم، ممثلاً فرنسا.

يصوّر الفيلم، بشكل جدّ واقعي، بكاميرا أقرب لتكون توثيقية، في مواقع أقرب لتكون واقعية، بل بمشاهد افتتاحية أقرب لتكون تقريراً وثائقياً إخبارياً. قصّة حيّ في ضاحية باريسية، حيث يعيش مهاجرون أفارقة ومسلمون وعرب، في مجتمعاتهم الخاصة، مجاورة لتمثيلٍ للدولة هو هنا -فقط- ثلاث رجال شرطة بلباس مدني، يجولون بسيارة مدنية، يتنمّر أحدهم (وهو الفرنسي الأبيض من بينهم) على أطفال وبنات ويعتدي عليهم، لفظياً ونفسياً وأحياناً جسدياً، باستخدام مفرط للعنف، ما يظهر حقيقة الصورة التي يرون من خلالها، الدولةُ وممثلوها، هذه الأحياء المهمّشة التي لا يشعر أهلها بما يفترض على مدني أن يشعر به مقابل شرطي، فتقول إحدى الأمّهات الإفريقيات لأحد رجال الشرطة الثلاث حين حاول الدخول إلى بيتها باحثاً عن صبي: لستم شرطة حقيقية، لن أسمح لكم بالدخول.

يبدأ الفيلم برجال الشرطة الثلاثة هؤلاء، وينتهي عندهم، يبدأ بهم يمرّون بين شوارع الحي، في سيارتهم، نفهم أن علاقتهم جيدة بالبعض، ومتوترة بالآخر، لكن نفهم لاحقاً أن العلاقة الجيدة تلك آتية من خوف الناس أو تجنبهم لغضب رجال الشرطة. هي لتفادي شرّهم فقط. يسمعون صراخاً، يتوجهون إليه ليجدوا أن شجاراً قد نشب بين مجموعتين، إحداهما فرنسية بيضاء وهي رجال فريق سيرك تتهجّم على المجموعة الأخرى وهي رجال أفارقة، أبناء حيهم. السبب هو أن ولد إفريقي سرق شبلاً من السيرك. يفرّق رجال الشرطة بينهم ويتعرفون على الولد لاحقاً ويمسكون به بعنف واضح، إذ ينقضون عليه أثناء لعبه كرة القدم مع أطفال آخرين في الحي، يهرب فيلحقونه، يمسكونه. أحدهم يطلق عليه الرصاصة التنبيهية أثناء محاولته الهرب فيسقط مصاباً بوجهه، لا يقررون الاتصال بالإسعاف، بل حمله إلى معارف لهم في الحي لتدبير الأمر وإخفائه. ينتبهون إلى أن طائرة مسيّرة في السماء قد صوّرتهم، يتحكم فيها طفل إفريقي آخر. ينتقل الفيلم إلى مرحلة تالية هي البحث عن هذا الولد، ومحاولة محو فعلتهم وإصرارهم على عدم معالجة من أصابوه. يصطدمون أثناءها برجال في الحي، يرعبون الأطفال ويتنمرون على آخرين، يقول أحد الرجال، وهو الأبيض العنصري ذي الميول اليمينية بأنّه هو الدولة هنا. في اليوم التالي، يقرر الأطفال الأفارقة والعرب، أبناء الحي، الثأر لرفيقهم فينصبون فخاً لرجال الشرطة هؤلاء وينتقمون بأسلوبهم، ينتهي الفيلم بلقطات هي الأقوى فيه، لقطات مفتوحة تشي بأن “البؤس” الفرنسي هذا مستمر.

يمكن لحكاية كهذه أن تكون فيلماً وثائقياً عن كيفية اندلاع عنف متبادل بين أبناء ضاحية باريسية وبين الشرطة، كما حصل عام ٢٠٠٥ وقد تمت الإشارة إليها في الفيلم، لكن التطوّر السردي للحكاية، تتابُع الأحداث بشكل سببي، ووصولها، منطقياً، إلى ربع الساعة الأخير من الفيلم، حيث تصل المواجهة إلى أوجها، يجعل من الفيلم روائياً بنفسٍ الوثائقي، روائياً تاماً بكل العناصر الوثائقة، ما كان نقطة القوّة الأولى في الفيلم الذي استحقّ جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي.

هنالك منحى سينمائي فرنسي لهذه المواضيع مؤخراً، ومعظمها يمرّ عبر هذا المهرجان الذي حاول خلال السنوات الأخيرة تغليب الاجتماعي على غيره من المواضيع، يحضرني من بينها الآن «ديڤين» الذي نال “الكاميرا الذهبية” عام ٢٠١٦، وقبله «ديبان» الذي نال “السعفة الذهبية” عام ٢٠١٥. وطبعا لا ننسى فيلماً صار تأسيسياً لأنواع أفلام كهذه، هو «الكره» الذي نال في المهرجان ذاته جائزة “أفضل مخرج” عام ١٩٩٥.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.