1, الأولى
اكتب تعليقُا

السينما في السينما: فرانسوا تروفو مثالاً

تناولت السينما في تاريخها، ذاتَها في مقاربات متنوعة، كان صانع الأفلام، السينمائي، في أغلبها شخصية رئيسية يتناول الفيلم حكايته. أحد أفضل هذه الأفلام هو «الليلة الأمريكية» للفرنسي فرانسوا تروفو، ١٩٧٣، وهو فيلم خاص إذ يبدو تصويراً مطابقاً لعمل تروفو ذاته، كأنّه يصنع وثائقياً من عمليات صناعة فيلمه الروائي، فكان الفيلم أقرب للميتا-فيلم، لفيلم صناعة الفيلم ذاته، ما جعل لـ «الليلة الأمريكية» مكانة خاصة في صناعة السينما، أو تحديداً في تصوير تلك الصّناعة.

لا نرى في هذا الفيلم السينما كعملية إبداعية، بل كإدارة، وهي الوظيفة الأساسية لصانع الفيلم هنا، و”الإدارة” هي الترجمة الحرفية للتسمية الأنكلوفونية لمخرج الفيلم (Director). وحين نقول إدارة فذلك يعني التعامل مع باقي فريق العمل، من ممثلين وتقنيين، إذ يقوم المخرج بإدارتهم “لإخراج” الفيلم بالشكل الذي يريده، لكن ليس تماماً كما يريده فهنالك المنتج وحتى شركة التأمين -في فيلمنا هذا- التي تضغط على شخصية المخرج داخل الفيلم، لينجز فيلمه في الوقت المحدد دون أي اعتبار لموت مفاجئ لأحد الممثلين ما يعني إعادة تصوير مشاهد جديدة وبالتالي ميزانية أكبر، والوقت دائماً بثمنه لدى المنتجين.

كل ذلك عن الفيلم داخل الفيلم، عن فيلم اسمه «أقدّم لكم باميلا» داخل فيلم الفرنسي فرانسوا تروفو «الليلة الأمريكية»، La Nuit Américaine، ١٩٧٣، أو بعنوانه الإنكليزي Day for Night، حيث يلعب تروفو نفسه دورَه، أي أن مخرج الفيلم يلعب دور مخرج فيلم داخل فيلمه.

ليست السينما هنا عملية إبداعية إذن، ما نشاهده هو انشغالات المخرج مع الآخرين، يحادث أكثر من شخص في الوقت ذاته، يتكفّل بكل تفصيل مع كل عامل في الفيلم، بمراعاة وطول بال ملفتين، يواسي ممثلين حزينين ويشجع آخرين، ينبه أحدهم بأنّه هنا ليعمل لا ليعشق، ويُعلم آخر بأخذ مزهرية الفندق الزرقاء المناسبة للديكور. هي مرحلة ما بعد العملية الإبداعية ككتابة للمَشاهد، مرحلة إدارة وطول بال واستيعاب، وهي كذلك مرحلة ما قبل عملية إبداعية لاحقة هي تقطيع الفيلم وتوصيله، أو مونتاج الفيلم، أو، بالتسمية الأنكلوفونية، تحريره.

الفيلم من لقطته الأولى إلى الأخيرة، كان عن تلك المرحلة من صناعة الفيلم، مرحلة التصوير، التي تلحق الكتابة (إن تواجدت) وتسبق المونتاج وغيره، لنقل إنّها العناصر الرئيسية الثلاثة في صناعة الفيلم، لكن لم يكتب المخرج في الفيلم المَشاهدَ قبل تصويرها، هذا ما مرّ عرَضاً هنا إذ يشرح لممثلة ما ستؤديه في اليوم التالي، تطلب منه النّص فيخبرها بأنّه لم يكتبه بعد وسيرسله لها الليلة. 

يأتي عنوان الفيلم من تقنية تصوير المَشاهد الليلية فيه، وذلك بتصوير في النّهار ثم معالجة الألوان في مرحلة ما بعد الإنتاج، أو قبلها من خلال التصوير بفلتر. هي تقنية قديمة لم تعد موجودة مع آلات التصوير الحديثة والعدسات الأكثر حساسية. والعنوان يشير إلى حضور تقنيات التصوير في الفيلم، فهنالك مشاهدة عدّة تصوّر تصوير مشاهد للفيلم -داخل الفيلم- باستخدام تقنيات نسمع توجيهات المخرج بها كما نشاهدها، كأنّ الفيلم عبارة عن كواليس لتصويره، كأنّ المَشاهد المصوّرة هي كواليس تصوير الفيلم ذاته. هذا ما يمكن أن يجعل الفيلم بشكل أو بآخر، فيلماً وثائقياً وروائياً في الوقت ذاته، عن صناعة الفيلم. فالروائي فيه أتى توثيقياً لصناعة الفيلم في ذلك الزمن. كأنّ «الليلة الأمريكية» هو مشاهد الـ Making-of لـ «أقدم لكم باميلا»، أو لنفسه هو، كون الممثلين في الفيلم الثاني هم أنفسهم في الأول، المخرج في الثاني هو نفسه كذلك.

ليس في الفيلم أحداث إذن، ولا حكاية، هو تصوير لتصوير، هو مشاهد منفصلة يربط بينها وبين بعضها خيط سردي رفيع يجعل للشخصيات غاية واحدة هي إنجاز الفيلم، وبالتالي الانتهاء من تصويره، فهو أقرب ليكون تصويراً لتصويره.

في الفيلم هوس بالسينما كفن وثقافة، ربّما كي لا تكون السينما فيه إدارة وحسب، فالمخرج يحلم بنفسه طفلاً، يحاول سرقة صور فوتوغرافية لفيلم «المواطن كين» لأورسون ويلز، كما أنّه يستلم طرداً بريدياً فيه كتب تظهر بوضوح، عن إنغمار بيرغمان، فيديريكو فليني، جان لوك غودار، وآخرين. من ذلك ندرك أن صناعة السينما كما ظهرت في الفيلم هي إضافة لكونها إدارة من قبل المخرج، كذلك ثقافة سينمائية لدى المخرج تسبق في إدراكه تلك الصناعة والملاحقة لأعضاء فريق العمل واحداً واحداً. نذكُر أن فرانسوا تروفو نفسه جاء إلى الإخراج السينمائي من النقد، من مجلة «دفاتر السينما».

يصف المخرج في الفيلم، صناعة الفيلم كـ “عربة تُجر في الغرب الأقصى، في البداية تأمل برحلة جميلة، لكن سرعان ما تبدأ بالتساؤل إن كنت ستصل غايتك.” وهذا الشعور يأتي غالباً من تعلّق عموم الشغل بآخرين، فالصناعة هنا جماعية وليست فردية، ليست جلوساً في حُجرة حيث كتابة السيناريو أو مونتاج المَشاهد. وهذا ما يجعل الصّناعة نتاجاً جماعياً بقدر ما هو فردي، يحتاج لذلك “إدارة” جيّدة من صانع الفيلم الأساسي، وكانت، الإدارة، بأفضل صورها في هذا الفيلم.

عُرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي عام ١٩٧٣، ونال في العالم التالي جوائز بينها أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، البافتا لأفضل مخرج وأفضل فيلم.

في  القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.