1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الحقيقة» للياباني هيروكازو كوريدا 

ليس صحيحاً أن ننتقد هذا الفيلم أو ذاك، قائلين إنه خارج بيئة صانعه، لسبب أن هذا الصانع لا ينتمي إلى البيئة التي تعيش فيها شخصيات فيلمه، حيث تجري الحكاية. يمكن إعطاء أسباب عديدة لهذه الفرضية، الفاتحة للمقالة، منها أن الفيلم الروائي عموماً، هو أساساً خيال وإبداع وليس توثيقاً، وثانياً لأن للسينما بعد إنساني مفتوح ولا حدود له، ثالثاً أن أي حكاية وأي شخصيات يمكن أن تتكرر، بذاتها، في مجتمعات وبلدان وبيئات متفاوتة ومتنوعة، وأخيراً لأن هنالك أمثلة عديدة على أفلام ممتازة لا ينتمي صانعها إلى بيئة الحكاية، نذكر منها الأقرب إلينا زمانياً، الفيلم الممتاز «الكلّ يعلم» للإيراني أصغر فرهادي، وهو بشخصيات وسياق إسبانيين تماماً.

لكن هذه الفرضية لا تشكل قانوناً يُطبّق على أفلام بحسب “جنسية صانعها”، لا بالمدح ولا بالذم. فنجد أفلاماً لمخرجين خارج بيئات شخصياته، تكون رديئة أو عادية، كحال فيلمنا هذا، «الحقيقة» للياباني هيروكازو كوريدا.

لم يعجبني الفيلم إذن، وأنتقده لأسباب ليس منها التسطيح القائل: “هو ياباني فكيف يصنع فيلماً ببيئة فرنسية؟ سيفشل حتماً.” على كل حال، الفيلم ليس بهذا السوء، إنّما رتابة وملل تخللا لحظات عديدة من مشاهدته، وأمكن لذلك أن يكون في فيلم له يكون يابانياً تماماً. الفيلم على كل حال شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي، بل كان فيلم الافتتاح للمهرجان. هو ليس فيلم كارثة إذن، لكنّه ليس عظيماً، أو ممتازاً، أو لأكون أكثر دقة، وربما موضوعية، أقول إنه ليس بجودة الفيلم السابق لهذا، للمخرج، «مسألة عائلية»، الفيلم الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، كأفضل فيلم، في ٢٠١٨.

يعتمد الفيلم، رغم كل ما ذكرته، على ثلاثة أوجه/نجوم، الفرنسيتان كاترين دونوف وجولييت بينوش، والأمريكي إيثان هوك. وهذه كلها أسباب تحمل أحدنا على مشاهدة الفيلم الذي نال مخرجه سعفة ذهبية في فيلمه السابق، والذي يتزين ملصقه بهذه الأسماء الثلاثة. لكن كما أن ليس في السينما نتيجة مضمونة، فنحن لا نتحدث عن مسائل حسابية هنا تعطينا نتيجة تجعلنا نقول: “الفيلم ممتاز حتماً” حتى قبل مشاهدته، ليس هنالك ما يمكن أن يكون رأياً واحداً وحيداً حاسماً في فيلم ما. الأذواق والمدارك تجعل من أي فيلم ممتازاً لدى ناقد وعارف في السينما، وسيئاً لدى آخر لا يقل مكانةً عن زميله.

الحكاية هي كالتالي: فابيان، نجمة سينمائية فرنسية، يحوم الفيلم حولها، حول شخصيتها المركّبة وتوتر علاقاتها مع من حولها لأسباب تخص مثالب في تلك الشخصية، الناس حولها هم: ابنتها، كاتبة السيناريو، التي جاءت إلى باريس لتحتفل مع والدتها بإطلاق كتاب لها هو سيرة ذاتية، ويرافقها زوجها الممثل التلفزيوني الأمريكي، الذي تقول عنه الابنة إنه كعاشق أفضل منه كممثل. هنالك آخرون كزوج فابيان الطبّاخ، والذي تقول عنه فابيان إنه كطباخ أفضل منه كعاشق. وزوجها السابق، أب ابنتها، وهنالك مدير أعمالها. مع هؤلاء جميعهم، نجد لحظات متوترة أو على الأقل غير مريحة تجمع بين فابيان وبين كل منهم.

يصدر الكتاب وتبدأ الابنة بقراءته لتكتشف كذبات عديدة، كأن تقول الأم إنها التي كانت تهتم بطفلتها وتوصلها إلى المدرسة، لتواجهها الابنة بأن والدها الذي كان يفعل ذلك. وغيرها من الكذبات أو حتى الحقائق الناقصة، كأن يقول مدير أعمالها حزيناً إن لا مكان له في كل هذا الكتاب، فليس هنالك أي ذكر له.

هنالك علاقة صريحة بين كون فابيان كاذبة وكونها ممثلة، وظهر ذلك في مشهد له دلالته، بعد ابتعاد مدير أعمالها شاعراً بالغبن، وبعد إلحاح الابنة على الأم بأن تعتذر له، تقبل ذلك لكنها طلبت من ابنتها، كاتبة السيناريو، أن تكتب لها اعتذاراً لائقاً كي تحفظه وتؤديه، أي تمثله فهي لا تعني ما تتفوه به كجُمل اعتذار. وبدأت بالتدرب عليها، بكل “مهنية”. هنالك إمكانية أكبر لربط ذلك الكذب بمهنتها كممثلة، وهو الموضوع الذي يبدو أن قسماً معتبَراً من الفيلم يحوم حوله، وهو العمر الذي وصلت له فابيان، كممثلة نجمة صاحبة شباب سابق متألّق وأفلام وجوائز عديدة، والتي صارت تمثل الآن إلى جانب شابات أخريات، نجمات في أوج تألقهن، تمثل دوراً ثانوياً هو كذلك من وحي الموضوع: ابنة لامرأة ترحل لتعيش في الفضاء فلا تكبر، تعود إلى كوكب الأرض لتجد ابنتها (التي تؤدي دورها فابيان) قد كبرت وصارت أكبر منها.

موضوعات الفيلم (La Vérité) أمكن لها أن تكون في سيناريو أو حكاية أفضل، لا يتعلق ذلك بجنسية المخرج أو خلفيته، وهو كذلك كاتب سيناريو الفيلم، بل بهذا السيناريو والحوارات فيه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.