1, الأولى
اكتب تعليقُا

مهرجان “كوز” في حيفا والحديث بالصّوت العالي

في فلسطين حديث عن السينما، حراك سينمائي جدير بالتوقف عنده، أفلاماً ومهرجانات. وفي فلسطين كذلك حديث عن الحياة والحقوق الجنسانية والجندرية، أنشطةً ومؤسسات. في الحديثين هنالك الأفراد، المنشّطون، الفنانون، العاملون في أحد الشأنين، على حدةٍ أو في كليهما مدموجين. وكل من الشأنين لا يقل، فلسطينياً، أهميةً عن الآخر. الأول فنّي والآخر حقوقي، يجمعهما علوّ الصّوت في تلك الأحاديث في السنوات الأخيرة، وهو المرجوّ والمأمول دائماً. صار للعمل السينمائي الفلسطيني صوته العالي، وصار كذلك للعمل الحقوقي الجنساني صوته العالي.

هنالك في حيفا، مهرجان سينمائي صغير، يمكن القول “نخبوي”، يستحق المجتمع الفلسطيني أن يكبر المهرجانُ وأن يصير جماهيرياً، لا يكون ذلك باشتغال القائمين عليه على ذلك بقدر ما هو اشتغال المجتمع الفلسطيني في الداخل، على تقبّله، أحكي عن انفتاح جمهور على مهرجان وليس العكس.

المهرجان اسمه “كوز”، تنظّمه مؤسسة “أصوات” (المركز النسوي الفلسطيني للحريات الجنسية والجندرية)، وله دورة رابعة تُقام بين ٥ و ٧ ديسمبر، في “مسرح خشبة” في حيفا، المدينة التي تصير مع الوقت مركزاً ثقافياً فلسطينياً بديلاً ومستقلاً، والتي تصير، لذلك، مركز أملٍ في وسط الخيبات الفلسطينية المريرة. 

لا تكمن أهمية المهرجان في جانبه السينمائي، وإن كان هذا جانب لا يمكن تفويته. بل في الحالة التي يسعى لتعزيزها بين الفلسطينيين، تخص الوعي بمسائل الهوية الجنسية ونضالات أفراد مجتمع الميم في فلسطين، ومقاومة “الغسيل الوردي” الذي يسعى له الاحتلال.

لكنه يبقى مهرجان سينما، ولموضوعات أفلامه أهمّية تجبرنا على مشاهدتها والاطلاع على المختلِف والمغترِب عن السائد، ولطالما كان هذا المختلِف أحد أوجه النضال والمقاومة في هذا العالم، وهو وجه نحتاج، كفلسطينيين، لدمجه مع عموم نضالنا ضد الاحتلال.

هذا ما يجعلني أقول إنّ مجتمع الفلسطينيين، في الداخل كما في الضفة وحتى في غزة، في حاجة للانفتاح عليه (على وجه النضال هذا)، وبالتالي الانفتاح على مهرجان سينما يقدّم حكايات النضال تلك، وحالات الاغتراب التي تعيشها شخصياته، وهو ما لا نجده في مهرجانات سينما أخرى (عموماً) في فلسطين وغيرها، لأسباب أساسية تخص طبيعة كل مهرجان، فاختيارات مهرجان “كوز” مثلاً تعتمد أولاً على الموضوع والمضمون، كأي مهرجان سينما “حقوق الإنسان” أو “المرأة” أو “البيئة” في العالم، أو حتى مهرجان للسينما الفلسطينية، بخلاف مهرجانات سينما عامة تختار أفلامها ضمن معايير تخص الشكل والجودة والإمتاع إضافة إلى الموضوع.

لا يذهب أحدنا إذن إلى مهرجان كـ “كوز” للاستمتاع بقدر ما يذهب للاطلاع، للانفتاح، للتعرّف، وهذه ميزة مهرجانات متخصصة كهذه، لكن لهذا المهرجان الدّامج بين القضيتين الحقوقية الجنسانية والجندرية، والوطنية الفلسطينية، ما هو أعلى من حالة التعرّف أو الاطلاع، أو انفتاح جمهور فلسطيني على ما يمكن أن يُعتبر -نوعاً ما- نخبوياً (يمكن للنخبوية أن تعني، في سياقات مماثلة، المنفيّة). الأعلى في ذلك هو ربط النضالين ببعضهما، الحقوقي بالوطني، الجنساني والجندري بالفلسطيني، فهذه مساحة للفلسطينيين لا بد من ملئها وعدم تركها للاحتلال “يغسل” عقولَ العالم بها.

في فلسطين نضال واعٍ لمؤسسات كـ “أصوات” و”القوس” وغيرهما في مسألة “الغسيل الوردي”، أي في محاولات دولة الاحتلال (إسرائيل) الدائمة لكسب أفراد مجتمع الميم (LGBT، مثليي الجنس، مزدوجي التوجه الجنسي، متحولي الجنس) في العالم إلى جانبها، مصدّرةً فكرة أنّ تل أبيب هي “جنّة” هؤلاء الأفراد المضطهَدين في مجتماعتهم الفلسطينية، وهذه مسألة شائكة لا يسهل نقاشها أو دحضها بكلمتين. هي -لنقُل- ادّعاء بروباغانديٌ باطل على جزئية حقيقية إنّما فصلُها عن سياقها العام يجعلها، الجزئية، باطلة كأساس لذلك الادعاء الذي يبطل بالضّرورة.

التّصدي لادعاءات الاحتلال يحتاج لعمل مؤسساتي وليس فردي، يحتاج منافذ تصل من خلالها تلك القضايا إلى الجمهور الفلسطيني، والأفضل في ذلك هي دائماً مهرجانات السينما، كمدخلٍ فنّي إلى قضايا حقوقية، تماماً كما أعتقد بأنّ السينما الفلسطينية هي المدخل الأفضل إلى الجمهور العالمي للتعرّف إلى فلسطين وقضيتها.

في دورة هذا العام، اتّخذ المهرجان “الهجرة والتهجير والاغتراب” شعاراً له، وهي كلمات ثلاث تعبّر عن حال الفلسطينيين عموماً، داخل البلد وخارجها، لكنها تعبّر حقيقةً، كذلك، وبشكل مضاعَف، عن حال أفراد مجتمع الميم من الفلسطينيين، الذين يعيشون اغترابَهم الخاص ضمن المجتمع الفلسطيني، ويعيشون كمنتمين للمجتمع الفلسطيني، اغترابَ هذا المجتمع (في كافة أماكن تجمّعه) عن حالة الشعب، عن المكان والزمان الفلسطينيَين.

اليوم، أيّ حديث عن حقوق الفلسطينيين يكون ناقصاً ما لم يشمل حديثاً عن أفراد هذا المجتمع، بكافة هويّاتهم الجنسانية والجندرية، ويكون حديثاً بالصّوت العالي.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.