1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الطريق»… الفيلم الخاتمة لمسلسل «بريكينغ باد» 

الحديث عن أفلام لحقت بمسلسلات تلفزيونية، قد يطول إن لم نشترط بأن يشمل الحديثُ الأعمالَ الجيدة، وذلك لوفرة الترفيهية السطحية من المسلسلات التي -لنجاحها لذلك- يقرر القائمون عليها إنتاج فيلم يستفيد من “جماهيرية” المسلسل. لذلك، سيكون المثل الذي أتخذه هنا، في الحديث عن فيلم «إل كامينو» (الطريق)، وهو الفيلم الختامي لمسلسل «بريكنغ باد»، سيكون مسلسل وفيلم «توين بيكس»، للأمريكي ديفيد لينش.

في عامَي ١٩٩٠ و١٩٩١، عُرضت حلقات الموسمين الأول والثاني من المسلسل الذي كتبه وأخرجه لينش، ثم بعد عام أخرج لينش فيلم «توين بيكس: إمش معي أيتها النار» كاستتباع استعادي للأحداث، وذلك بتصوير ما حصل قبل الحلقة الأولى من الموسم الأول، فكان الفيلم سير عملية القتل، وكان المسلسل سير عمليات التحقيق في ذلك. ولا أعتقد أن هنالك مسلسلاً  أو فيلماً مبنياً على مسلسل وصل من الجودة والفنية ما وصله لينش.

اليوم، نحن أمام تجربة مماثلة تخص فيلم «الطريق: فيلم بريكينغ باد» (El Camino: A Breaking Bad Movie) الذي بدأ بثّه على شبكة نتفليكس الشهر الماضي.

عُرض مسلسل «بريكينغ باد» بين ٢٠٠٨ و ٢٠١٣، في خمسة مواسم. هي حكاية والتر وايت الذي يتحول تدريجياً من مدرس مادة الكيمياء، بشخصية منزوية وضعيفة، إلى صانع لأحد أنواع المخدرات (ميثامفيتامين) بالشراك مع جيسّي، طالب سابق له وهو صانع لهذه المادة ومتاجر بها. يستطيع والتر صناعة النوع الأفضل من هذا المخدّر، بفضل معرفته ومهاراته في الكيمياء ويساعده جيسي في ذلك. يصنعان معاً ويبيعان المخدّر بالاتفاق مع موزّعين هم أيضاً مجرمون، تتنقل حلقات المسلسل بين المعارك التي تنشأ بين والتر وجيسّي من جهة، والموزعين المتناوبين من جهة أخرى، مظهرةً التطوّر في الصناعة وكذلك في شخصية والتر التي تتحوّل تدريجياً إلى رجل عصابات بمفرده، قاتل وسارق وكاذب ولكنّه -وهذه من محاسن السيناريو- الشخصية المستحقة للإعجاب.

المسلسل ممتع وممتاز ونال العديد من الجوائز ومستحق للوقت الذي يستغرقه من مُشاهده. لكن الفيلم لم يكن إضافة نوعية إلى المسلسل، بعكس فيلم ديفيد لينش. فكان الفيلم أقرب لحلقة إضافية إلى المسلسل، الحلقة ما بعد الأخيرة، وهي حلقة معظم حلقات المسلسل بمواسمه الخمسة قد تفوقها متعةً أو جذباً، فلا أهمية حكائية للفيلم الذي تلت أحداثه أحداثَ الحلقة الأخيرة من الموسم الأخير، وهي خروج جيسي من حبسه وهربه. إذ لا يشعر المنتهي من المسلسل بأن هنالك حاجة لما بعد ذلك. خاصة أن والتر وايت سينال حتفه في تلك الحلقة. والفيلم، إضافة إلى ذلك، يعتمد على العديد من  المشاهد المستعادة (فلاشباك) من أزمنة المسلسل، ومما تمّ تصويره أثناء التصوير للمسلسل ولم يُعرض.

الفيلم الذي أتى من الناحية السردية ومن قيمته كسيناريو، بجودة متوسطة أو أقل، كان من الناحية الإخراجية والسينماتوغرافية أفضل، وهو حال عموم المسلسل الذي كان، من الناحية السردية، ممتازاً.

من الواضح أن صانع المسلسل فينس جيليغان أراد الاستفادة من جماهيرية المسلسل (العالية) واستثماره في فيلم لا يقدم ما يبرّر صناعته، وجيليغان هو مخرج الفيلم وكاتبه. فالفيلم الذي أمكن أن يكون استعاد احتفالية بالمسلسل، آتياً بعد ست سنوات منه، كان إضافة إلى حكاية المسلسل هي أقل أهمية من معظم حلقاته.

يبدأ الفيلم من هروب جيسي من حسبه عند عصابة من النازيين الجدد، حسبوه واستعبدوه ليصنع لهم النوع الأفضل من المخدّر، وقد تعلّمه من والتر وايت، وهي اللحظة التي انتهت عندها الحلقة الأخيرة من المسلسل، وقد أتى والتر وايت إلى النازيين الجدد، الذين أخذوا حصّته من ملايين الدولارات، من بيع المخدّر، قتلهم بأسلوبه الذكي دائماً، معتمداً على أساليب كيميائية وفيزيائية في القتل، كما دائماً، وحرّر شريكه الدائم جيسي، الذي تكاد لا تمر حلقة دون عراك أو سجال أو خلاف بينهما.

الفعل الذكي في فيلم «توين بيكس» لديفيد لينش، كان بصناعة فيلم لحق المسلسل في سنة الإنتاج، لكنه سبقه من حيث  الأحداث، فكان الفيلم إضافة هامة للمسلسل، دون أن يمس به، فالأول كان عن جريمة قتل والثاني عن عملية التحقيق، إلا أنه “يحظر” مشاهدة الفيلم قبل المسلسل، إذ سيتعرف المُشاهد على هوية القاتل وهذا ما يدور حوله المسلسل بموسميه الأول والثاني،  والثالث الذي أُنتج عام ٢٠١٧، بعد ٢٦ عاماً.

على كل حال، من شاهد مسلسل «بريكينغ باد» بحلقاته الاثنتين والستين، لن يتوقف عند الفيلم ويمتنع عن مشاهدة الساعتين الإضافيتين اللتين قد تحققا -وهذا أهم ما في الفيلم- فضول المُشاهد في معرفة ما يمكن أن يكون قد حصل لجيسّي. دون ذلك، لا حاجة لمن لم يُشاهد المسلسل أن يشاهد الفيلم، ولا فائدة من ذلك، وهذه نقطة ضعف أخرى في الفيلم المرتبطة مشاهدته بمسلسل طويل كهذا، إذ لم يأت منفصلاً عن المسلسل ليتمكن أحدنا من مشاهدته كفيلم مكتمل بذاته. هو بذلك يبقى حلقة ما بعد أخيرة من المسلسل أكثر من كونه فيلماً.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.