1, الأولى
اكتب تعليقُا

سينما الثورة الفلسطينية… حفظ وترميم وإتاحة

كثيراً ما تُحال الأفلام في زمننا الراهن، إلى أفلام سابقة، قديمة، يختلف مدى قدمها، قد يكتفي بخمسين وستّين عاماً في الحالة الفلسطينية، ويمتد إلى مئة عام في أخرى في العالم. والحديث هنا عن أفلام سابقة من البلد ذاته، حيث الثقافة والاجتماع والسياق هي ذاتها التي تجمع أبناء البلد الواحد. هنالك طبعاً تأثيرات عابرة للحدود هي -أكثر- فنية وتقنية وأحياناً سياسية.

في سيرورة التطور لأي سينما حالياً، أو لسينما أي بلد، إذ هنالك دائماً ما يجمع صانعي الأفلام المنتمين لبلد معين، هنالك دائماً تأثير لأفلام سابقة على الحديثة والمعاصرة، قد يتفاوت مدى هذا التأثير ومواقعه، حتى إن محاولة تجاوزه بشكل واعٍ هو كذلك نوع من تأثيرها على المحاوِل تجاوزها. والحالة الفلسطينية بارزة بوضوح هنا، ونحن نتحدث عن التأثير أو السيرورة بشتى الأشكال.

لكن، من أثّر بمن؟ لنطرح سؤالاً أكثر جدوى هو: ما الذي أثّر في السينما الفلسطينية الراهنة، من أفلام فلسطينية سابقة (أو قديمة)؟ يحملنا ذلك إلى تلك الأفلام السابقة المجهولة (قبل مرحلة الثمانينيات مع ميشيل خليفي وانتقال السينما الفلسطينية إلى الداخل) لأسباب أهمّها فقدان العديد منها وحرقه والاستيلاء عليه من قبل الجيش الإسرائيلي أثناء اجتياحه بيروت عام ١٩٨٢، وهنالك قسم لا بأس به مشتّت لدى أفراد ودول ومؤسسات، وهذا حديث آخر.

المتاح من الأفلام الفلسطينية المؤسِّسة -لنقُل- للسينما الفلسطينية المعاصرة، قليل، ويحتاج إلى ترميم، وقبله تجميع وحفظ، لكنّ الأفلام هذه -رغم ذلك- كانت أساساً لاواعياً أكثر من كونه واعياً، للسينما الفلسطينية اليوم، لاواعياً للمشترَكات بينها وبين الأفلام المعاصرة، وواعياً لتوفّر بعضها الدائم وهي -وكل ما صدر آنذاك- أفلام أنتجتها فصائل من “منظمة التحرير الفلسطينية” كـ “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” و”حركة فتح”.

في الذكرى السبعين للنكبة، قامت مجموعة بحثية من جامعة “شيفيلد هالام” في إنجلترا باسم “تداخلات إبداعية” بترميم وترقيم خمسة أفلام من سينما الثورة الفلسطينية، بإشراف الدكتورة أناندي رامامورثي، الباحثة في ثقافات ما بعد الكولونياليّة. الأفلام الآن متوفرة بصيغتها المرمّمة، وهي جزء من التراث السينمائي الفلسطيني المستَعاد، المساهِم كذلك في تكوين الراهن من هذه السينما، هويةً وسياقات وموضوعات.

الأفلام الخمسة هذه عُرضت مؤخراً في “مهرجان سينما فلسطين الدّوحة” تحت عنوان “تداخلات إبداعيّة: سينما الثّورة الفلسطينيّة”، وهي: “زهرة المدائن”، ١٩٦٩، إخراج علي صيام وسينماتوغرافيا هاني جوهريّة وترميم عزّة الحسن، “فلسطين في العين”، ١٩٧٦، إخراج مصطفى أبو علي وترميم عزّة الحسن، “الهويّة الفلسطينيّة”، ١٩٨٣، إخراج وترميم قاسم حول، “النّداء العاجل”، ١٩٧٣، إخراج إسماعيل شمّوط وترميم بلال شمّوط، “وهج الذكريات”، ١٩٧٢، إخراج إسماعيل شمّوط وترميم بلال شمّوط.

ترميم هذه الأفلام الخمسة وجعلها متاحة، من خلال مهرجانات وعروض خاصة، هو إضافةٌ هامة إلى عموم التراث السينمائي الفلسطيني المتعلق بشكل شبه تام بالثورة الفلسطينية المؤسِّسة للهوية الفلسطينية الحديثة، هوية ما بعد النكبة والسنين القليلة اللاحقة لها، إلى أن أطلق الفلسطينيون ثورتهم ومعها ثقافتهم المعاصرة من أدب وسينما وصحافة وغناء وفنون، أسّست لامتداداتها اليوم، من أدب وسينما وصحافة وغناء وفنون وغيرها. وعرضُ هذه الأفلام في مهرجانات للسينما الفلسطينية لا بد أن يكون عنصراً أساسياً ومداوِماً في هذه المهرجانات، فهي أولاً قد لا تُتاح للمُشاهد المهتمّ، في مناسبات أخرى، وهي ثانياً وثائق سينمائية قيّمة لا بد من مشاهدتها لإدراكٍ أفضل للمضمون والسياقات في الأفلام الفلسطينية المعاصرة المُنتَجة في السنوات الأخيرة والمعروضة في مهرجانات سينما فلسطينية منتشرة بين أوروبا والأمريكيتين.

ليست لهذه الأفلام قيمة فنية عالية، أو ليست أهميتها في تلك القيمة، فهي وثائقيات قصيرة وسياسية مباشرة أنجزتها “منظمة التحرير الفلسطينية”، وهذا لا يقلل من قيمتها التوثيقية، بل العكس. إن مباشرتها وتلقائيتها هي ما يعطي للجانب التوثيقي تلك الأهمية. وهو ما تحتاجه السينما الفلسطينية المعاصرة ليصل صانعوها إلى المادة الخام، الواقعية، الحية، غير المشغول عليها فنياً بشكل يطغى على تلقائية المضمون، لسبب أساسي هنا هو أن تنطلق هذه السينما، الفلسطينية الروائية الراهنة، من واقع ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى خيال اليوم، أو من وثائقيات ذلك الزمن إلى روائيات هذا الزمن.

لا يمكن للسينما الفلسطينية اليوم أن تكون قد نشأت من فراغ، هنالك أسماء هامة عالمياً، هنالك مشاركات دولية إذ لا يمر عام دون مشاركات فلسطينية في أهم المهرجانات الدولية (كان، برلين، فينيسيا…) ودون جائزة ما. هنالك مهرجانات للسينما الفلسطينية خارج فلسطين، ومهرجانات عدّة داخلها، هنالك صناعة تحاول بصعوبة أن تنهض. هنالك عمل مؤسساتي جدّي وجدير بالاهتمام كـ  “فيلم لاب: فلسطين” التي تشتغل على صناعة الفيلم الفلسطيني، و”مؤسسة الفيلم الفلسطيني” التي تستكمل دور “مؤسسة السينما الفلسطينية” كجسم جامع وداعم لعموم الإنتاج السينمائي الفلسطيني.

كل ما ذُكر له أساس واحد هو سينما الثورة الفلسطينية، ما نحتاجه اليوم هو أن يكون لأفلام الثورة (الأفلام التي شكلت سينمانا اليوم، والثورة التي شكلت هويتنا اليوم) أن يكون للأفلام الضائعة والمنسية والمنهوبة، مصير الأفلام الخمسة أعلاه: الحفظ والترميم والإتاحة، لعرض روايتنا لما حصل في النكبة، وما تلاه… إلى اليوم.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.