1, الأولى
اكتب تعليقُا

حَول سؤال “هل لدينا سينما فلسطينية؟”

نستطيع القول، اليوم، إنّ الفلسطينيين يصنعون أفلاماً تنافس عالمياً، بشكل سنوي في أكثر من مهرجان، على جوائز المسابقات الرسمية وغيرها من البرامج في مهرجانات كفينيسيا وكان وبرلين وغيرها. لا يعني ذلك أنّ هنالك ما يمكن تسميته باطمئنان بـ “السينما الفلسطينية”، لكنّي كذلك أرفض التكرار الكسول للكليشيه القائلة “إنّ هنالك أفلاماً فلسطينية ولكن ليس سينما فلسطينية”، فما كان صحيحاً يوماً ما، ينبغي الانتباه إليه، مراجعته، وعدم ترديده أو تثبيته كمسلّمة متناقلة.

الفلسطينيون يصنعون سينماهم، وهي مسألة تراكمية (نوعيّة كما هي كمّية)، هنالك ثيمات واضحة لهذه الأفلام، لعمومها. هنالك مُشتَرَك اجتماعي/سياسي/فنّي لها، هنالك انسجام بينها يجعل غيرها قابلاً لإحالته إليها، كأنّها تيّار متعلّق ببلد، كـ “الموجة الجديدة” الفرنسية السابقة لثورة ١٩٦٨، أو “الواقعية الجديدة” الإيطالية اللاحقة للحرب العالمية الثانية، أو “الانطباعية” الألمانية اللاحقة للحرب العالمية الأولى… إذ يمكن اليوم الإشارة لأي من هذه التيارات في الحديث عن فيلم من العالم.

الحديث عن “سينما فلسطينية” يتخطى الأفلام إلى الصناعة  السينمائية، من كتابة السيناريو إلى توفّر التقنيين إلى صناديق التمويل وصالات العرض، مروراً بوجود سينماتيك ومعهد أكاديمي. أفلامنا المعروضة في المهرجانات العالمية، ليست صناعة فلسطينية بالمعنى التام، يعود ذلك من جهة إلى صناديق التمويل العالمية (عموماً، يصعب اليوم إيجاد فيلم بتمويل صندوق واحد أو دولة واحدة) ومن جهة ثانية (مرتبطة بالأولى) إلى ندرة التقنيين الفلسطينيين والعمل مع أجانب في جميع التخصّصات التقنية. هذا، على كل حال، حال العديد من الأفلام في العالم، إنّما لا خيار آخر للفلسطينيين، هو تنوّع مفروض عليهم للغياب النسبي لصناديق الدعم أولاً (هو غياب تام فلسطينياً) وللتقنيين ثانياً.

العناصر الأخرى المؤسِّسة لما يمكن أن يكون “السينما الفلسطينية”، لا يتم الالتفات كافياً إليها، فهل يمكن لمتابع لأفلام فلسطينية من الخارج، أن يصدّق أن لا سينماتيك في البلد، أن لا صالات سينما مستقلة/فنية، أن الكلية الوحيدة الموجودة تأسست منذ أعوم قليلة فقط، أن لا تخصّص لكتابة السيناريو أو المونتاج بين العاملين، أنّ صانعي الأفلام الفلسطينيين يفضّلون (أو يضطرّون لـ) إنجاز أفلامهم في الخارج أو بفريق من الخارج (وليس من فلسطينيي الخارج)!

إضافة إلى الأفلام الجيّدة، هنالك عنصر واحد هام وضروري، متواجد في فلسطين والشتات، هو مهرجانات السينما الفلسطينية، قد يكون أهمّها، لمواقعه وبرامجه وقيمته المعنوية، مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” المقام على كامل التراب، بعروض في مدن هي رام الله (الافتتاح) والناصرة والقدس وغزة ونابلس وبيت لحم. إلى جانبه توجد مهرجانات أخرى، داخل البلد فهي مهرجانات فلسطينية لأفلام من فلسطين والعالم، وخارج البلد فهي مهرجانات أجنبية للسينما الفلسطينية.

للفيلم الفلسطيني إذن مساحاته السنوية داخل البلد وخارجه، وهو كذلك حاضر في عروض تجارية عالمية، وباحتفاءات كالبرنامج الاستعادي الذي ستقيمه السينماتيك الفرنسية في باريس (الجهة الأهم التي يمكن أن تقدّم عروضاً استعادية) لإليا سليمان هذا الشّتاء (مستبقين خروج فيلمه «إن شئت كما في السماء» إلى الصالات الفرنسية في ٤ ديسمبر).

للأفلام الفلسطينية، عموماً، مساحاتها التي تصل بها إلى جمهور فلسطيني، لكنها مساحات سنوية تكون، عموماً، من خلال مهرجانات، أو بعروض خاصة ووحيدة، وهذا ما يأخذنا إلى عنصر آخر (ثالث) لما يمكن أن يؤسّس لـ “السينما الفلسطينية” هو توفير صالات سينما في المدن المذكورة وغيرها، كي لا يكون تلقّي الفيلم الفلسطيني سينمائياً في فلسطين، محصوراً بأيام معدودة لهذا المهرجان أو ذلك، بعرض واحد أو اثنين خلال عام، أو بعروض استثنائية في مراكز ثقافية.

الذهاب إلى السينما، لذلك، ليس عادة عند شعبنا داخل الوطن (لا تعنيني الأفلام التجارية وصالات المولات التي تكسب من البوب-كورن أكثر من التذاكر). شعبنا بحاجة إلى صالات سينما مستقلة وفنّية (بالفرنسية: Art et Essai، وبالإنكليزية: Arthouse) تصنع، مُضافةً إلى المهرجانات والأفلام، ما يحتاجه الفلسطينيون من ممارسة يمكن أن تكون يومية، في بناء العلاقة مع السينما خارج أطر المهرجانات السنوية، فيكون الذهاب إلى السينما سلوكاً ثقافياً اجتماعياً حاضراً، لمشاهدة فيلم أو جلسة نقاش أو “ماستر كلاس”، لعروض استعادية أو ثيميّة أو لأفلام شاركت مؤخراً في مهرجانات وتنال توزيعاً في الضفّة وغزّة، وفي أراضي الـ ٤٨ لصالات عربية بترجمات عربية للأفلام. قد لا يكون من السهل تحقيق ذلك، لكنّه في سلّم الأولويات يأتي قبل كل من صناعة الأفلام وإقامة المهرجانات، فهي التي تصنع ثقافة  سينمائية، وسلوكاً سينمائياً، هي التي تؤسّس (افتراضاً) لصناعة الأفلام وإقامة المهرجانات.

الاهتمام المجتمعي بمهرجان “أيام فلسطين السينمائية” يدلّ على العلاقة الجيّدة بين الفلسطينيين داخل البلد وبين السينما، يدلّ على رغبة هذا المجتمع بعلاقة أكثر صحّية مع السينما. والحديث هنا عن مهرجان سيفتتح بعد أيام (٢-٩ أكتوبر) دورته السادسة، مهرجان فتيّ، وهو إضافة نوعية للائحة نحتاج لملئها كي نحقّق، أكثر، مقولة أنّ لدينا ثقافة سينمائية وصناعة سينمائية، أننا نستطيع أن نؤسّس كذلك لـ “سينما فلسطينية”، هذه أفلامها وتلك مهرجاناتها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.