1, الأولى
اكتب تعليقُا

«يوم ماطر في نيويورك» للأمريكي وودي ألن

لعلّ أكثر ما يميّز أفلام الختيار الأمريكي وودي ألن، هو حضور عنصر السيرذاتيّ في أفلامه غير السيرية، أي أنّه لا يكتب -غالباً- فيلماً عن أحداث عاشها، بل يؤلّف الأحداث لشخصيّات عاشها (أو عايشها)، في مراحله الزمانية المختلفة. ولا يقتصر حضوره، كوودي ألن، في شخصية رئيسية وحسب، بل يتوزّع، هذا الحضور، على الشخصيات في الفيلم، على أكثر من شخصية لأكثر من جيل، هذا هو حال فيلمه الأخير، إذ يمكن أن نرى ألن -الذي لم يعد يظهر في أفلامه كممثل- في شخصيتين: الطالب الجامعي الذي تتركه حبيبته، والمخرج السينمائي الذي يرغب بترك فيلمه وقد شارف على إنهائه.

قد يكون العنصر السيرذاتي أهم ما يجمع أفلامه، وإن كانت عموماً متشابهة بشكل يجعل أحدنا، من اللحظات الأولى -من موسيقى الجاز وتداخلها مع المشاهد الأولى العامة للمكان، وقبلها من الخط الطباعيّ المستخدم دائماً، لعشرات السنين، في الجينيريك- يدرك أنّه يشاهد فيلماً لألن، لنقل فيلماً جديداً إذ أنّ لألن أسلوباً يتحوّل بشكل طفيف على نحو “عشري” كما سبق وكتبت، أي كل عشر سنين تقريباً، كأنّها نقلات تنويعية (خفيفة) بالأسلوب، وإن تقاربت الموضوعات والشخصيات الألنيّة، بين موجات لا أقول إنّها متلاحقة كأنّ تطوّراً ما يحدث فيها، بل متوازية، فلا حديث عن الجودة هنا، بل عن تغييرات أسلوبية لعلّ مبرّرها هي مزاجيّة وودي ألن التي تهجس، ككوميدي أساساً، من تكرار ما تقدّمه، فكما أنّ الكوميدي يدرك مدى رتابة أن يعيد النّكتة على مسامع جمهوره، يدرك ألن المكثر من أفلامه (هذا هو فيلمه الـ ٤٩) أنّ فخّ التكرار يحوم حولها إذ تتشابه موضوعاتها وشخصياتها، لكنّه، بحرفة الكوميدي كذلك، وذكاء المؤلّف (وحدس الموسيقي، فهو عازف كلارينيت كذلك)، يقدّم فيلماً جديداً (ضمن التكرار)، لا رتابة فيه، بحكاية جديدة ممتعة، مع المساحة الخطرة التي يلعب في محيطها: أن تكون شخصياته متشابهة من فيلم لآخر، وأن تكون شبيهة له بشكل أو بآخر.

في «يوم ماطر في نيويورك» الذي مُنع من العرض في الولايات المتحدة بسبب حملة “مي تو” (رغم أن تحقيقين منفصلين فُتحا في قضية التحرش المرفوعة على ألن، منذ التسعينيات، ولم يُدن الرّجل حتى اللحظة) افتتح مهرجانَ “دوفيل للسينما الأمريكية” في فرنسا، في دورته الـ ٤٥، كما بدأت عروضه في فرنسا قبل أيّام.

لألن حضور خاص في فرنسا، إعجاب وانسجام تبادليّ بين الرجل   وجمهوره في فرنسا (أظهره مرّة في فيلم «نهاية هوليوديّة»). ومن الجيّد أنّ الفرنسيين، صحافة وجمهور سينما، لم يولوا الاتهامات بحقّ ألن اهتماماً جدّياً مؤثّراً على التّلقّي السينمائي  عندهم، خاصة أنه الرجل لم يُدَن في تحقيقين فُتحا منذ ربع قرن، فالتّلقي النقدي للجمهور الفرنسي يختلف عن الحسابات التجارية وعقلية جماعات الضغط في الولايات المتحدة المسيطرة على هوليوود، دون أن يكون لأي موزع أو منتج أمريكي (كشركة أمازون مثلاً التي أنهت عقدها مع ألن بسبب حملة “مي تو”) أن تزاود على الصالات الفرنسية أو المهرجان الفرنسي  أو الصحافة الفرنسية التي أعطت الفيلم تقييمات عالية، بعضها كتب أنّه أفضل أفلام ألن في مرحلته الأخيرة. يذكّرنا ذلك بموقف الممثلة الفرنسية كاترين دونوف من حملة “مي تو”، ومعها ممثلات وعاملات في السينما فرنسيات، وهو موقف نقدي من نساء عشن ثورة ١٩٦٨ التحررية، بعيداً عن حساسيات السوق السينمائي في الولايات المتحدة اليوم.

يروي الفيلم (A Rainy Day in New York) حكاية غاتسبي، طالب جامعي ابن عائلة غنّية دبّرت له أمّه علاقة مع أشليه، ابنة عائلة غنية أخرى، يدرسان في الجامعة ذاتها. يذهبان إلى مانهاتن لتجري هي لقاءً مع مخرج سينمائي، وغاتسبي كابن مدينة نيويورك، يرافقها ليمضيان وقتاً ممتعاً هناك. تتطوّر لقاءات كل منهما مع آخرين، خلال اليوم ذاته حالما يفترقان صباحاً كي تذهب لإجراء المقابلة، إلى نهاية اليوم الذي سيغيّر من العلاقة بينهما.

كغيره من أفلام ألن، التقاءات ومفارقات ومصادفات هي التي تصنع الحكاية، شخصيات يصنعُ التباينُ بينها تلك المفارقات. الالتفاتات الذكية حاضرة، أسلوب السرد (بالڤويس أوڤر) حاضر، استهلال الفيلم بلقطة أولى تريَنا المكان حيث ستبدأ الحكاية -كما دائماً لدى ألن- حاضر، وطبعاً، موسيقى الجاز ومشاهد من مدينة (شوارع ومقاه…) نيويورك، كلّه حاضر، كل العناصر الألنيّة التقليدية كانت في هذا الفيلم. لكنّها لا تصنع فيلماً عظيماً، إنّما فيلماً ممتعاً، جميلاً، كأنّه إحدى حلقات مسلسل ألنيّ طويل، يمرّ هو، كشخصية كامنة، فيها كلّها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.