1, الأولى
اكتب تعليقُا

«حدث ذات يوم… في هوليوود» للأمريكي كوانتين تارانتينو

تفُوق أهمّية تارانتينو ككاتب سيناريو أهمّيتَه كمخرج، وإن كان من النوع الممتاز في المجالين، وهذا تحديداً السبب في عدم ارتقاء فيلمه الأخير إلى معظم أفلامه السابقة، إذ كان أقل مستوى كتابةً، وبالمستوى المعروف عن تارانتينو إخراجاً. هنالك متعة إذن في مشاهدة الفيلم، وإن لم تكن بالمستوى المتوقّع لمُشاهد أفلام أحد أفضل مخرجي هوليوود الأحياء.

وهذا لا يخفي حقيقة أن تارانتينو اعتمد أسلوباً غير تقليدي في سرد حكاية فيلمه، بل استخدم الصّورة لذلك، فكانت الصّورة استرجاعاً لذكريات أو أحاديث ضمن زمن السرد، كأنّنا نرى ما يتذكّره أحدهم، وهذه لعبة سردية جميلة من تارانتينو، إنّما كانت محدودة، وأتت إلى جانب “اللعبة غير التقليدية” في السرد التي كانت في خطّي سرد منفصلين، واحد للبطل ومرافقه والثاني لجيرانه، لكن اللعبة لم تنضج إذ كان التقاء الخطين سريعاً دون معنى، في الدقائق الأخيرة للفيلم، ما يعني أن تغيير الخط الثانوي لا يؤثر كثيراً على الخط الأساسي للفيلم وهي قصّة الممثل الهوليوودي ريك دالتون (ليوناردو ديكابريو) ومرافقة ودوبليره كليف روث (براد بيت).

الفيلم جيد سردياً (كتابةً) إذن، لكنه يبقى أقل جودة من معظم أفلام تارانتينو السابقة، كذلك، وهذا الفيلم الجيد، لم يكن بمستوى المنافسة على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي الأخير، فنفهم بعد مشاهدته، ومشاهدة أفلام أخرى من المسابقة الرسمية  للمهرجان، لمَ لم ينل أياً من جوائزه. قد  لا يكون هذا هو الحال بالضرورة في الولايات المتحدة وجوائز مهرجاناتها ومحافلها، وذلك لموضوع الفيلم الذي قُدّم مراراً على أنّه تكريم لنهايات العصر الذهبي في هوليوود وبالتالي السينما الأمريكية، إذ تجري أحداثه هناك وعام 1969.

الفيلم الذي اعتمد بالترويج له على نجومية بطليه (ديكابريو وبيت) اعتمد كذلك على اسمه المستوحى في أفلام الويسترن الإيطالية (التي سماها الأمريكيون بابتذال “سباغيتي ويسترن” وشاعت التسمية)، تحديداً أفلام سيرجيو ليوني (أحد أفضل المخرجين لدى تارانتينو وأكثرهم تأثيراً عليه) التي يبدو أن تارانتينو أخذ العنوان من أفلامه له كـ «حدث ذات يوم… في الغرب» و «حدث ذات يوم… في أمريكا» و «حدثت ذات يوم… الثورة»، أفلام كانت أفلام لتارانتينو ما قبل هذا كـ «الكارهون الثمانية» و«اقتل بِل» بجزأيه و«دجانغو بلا قيود»، استعادة جميلة لها.

يروي الفيلم حكاية الممثل التلفزيوني دالتون، الذي تعوّد المشاهدون عليه في أدوار ويسترن شريرة، فلم يرغب به المنتجون سوى بأدوار شريرة، وهذه أزمته، إذ لن يكون نجماً حقيقياً في هوليوود إن بقي مأسوراً  بأدوار الشر (وإن لم تكن كلها كذلك)، وبالمسلسلات التلفزيونية. يمضي الوقت مع مرافقه صاحب الصيت بأنّه قاتل زوجته، والذي تشاجر مع المقاتل والممثل بروس ليه وضربه. تدور الحكاية حولهما، إضافة إلى الخط السردي الثاني وهو الجيران، أي المخرج رومان بولانسكي (القادم حديثاً إلى هوليوود بعد فيلمه الناجح آنذاك «طفل روزماري») وأصدقاؤه الذين نشاهد من خلالهم إيقاع حياة “المشاهير” في هوليوود، حفلات “بلايبوي” وغيرها، في حين نشاهد في الخط السردي الأول حياة دالتون البائسة كممثل هوليوودي الطريقُ إلى الارتقاء هوليوودياً عنده مستعصية.

من بدايات الفيلم نشاهد كيف يدرك دالتون مأساتَه في نصيحة أحد المتنفذين في السينما وكانت بالسفر إلى إيطاليا والتمثيل في أفلام “الويسترن سباغيتي” هناك، هو ما اعتبره دالتون نهاية مهنية له أو حطّاً من قدره كممثل يريد أن يبقى في هوليوود، أن يعيش فيها ويمتلك بيتاً كما قال، وهو ما يشير إلى الجانب الترفيهي الذي يسعى دالتون للتطور ضمن نطاقه كممثل نموذجي في هوليوود أثناءها وقبلها وبعدها. علماً أنّ أفلام سيرجيو ليوني أو أفلام الويسترن الإيطالية (وأفلام إيطالية غيرها في ذلك الزمان تحديداً) هي الأقرب للجانب الفني للسينما كصناعة، وبالتالي الأبقى من غيرها، من مسلسلات تلفزيونية أو أفلام هوليودية تجارية كانت تُنتح وقتها. لنذكر أن وقتها (في الستينيات) كانت أكثر مراحل الإبداع لدى إيطاليين كفيديريكو فلّيني ومايكلأنجلو أنطونيوني وبيير باولو بازوليني وآخرين.

قد يكون الفيلم (Once Upon a Time In Hollywood) أقرب إلى تكريم لأفلام الويسترن الإيطالية منه إلى تكريم تلك الحقبة من هوليوود حيث قاد الترفيهُ الصناعة السينمائية. الانزعاج والإحباط الذين شعر بهما دالتون لاضطراره للذهاب والتمثيل في إيطاليا، لا يمكن فصلهما عن رؤية هذا الممثل لمعنى السينما وصناعتها، تحديداً في مدينة كهوليوود تتحكم شركات الإنتاج فيها بالصناعة السينمائية، بخلاف سينما المؤلف التي شهدتها إيطاليا وعموم السينما الأوروبية آنذاك، ونحن نحكي عن الفترة اللاحقة لـ “ما بعد الواقعية” في إيطاليا  (فيتوريو دو سيكا وروبيرتو روسيليني وآخرون)، حيث السينما فنّ وتجريب قبل أن تكون صناعة وتجارة وحفلات. هذا ما لم يرغب دالتون كممثل هوليوودي نموذجي، به. وهذا ما بقي أخيراً في تاريخ السينما الجيّدة. شخصية دالتون في الفيلم، وما يسعى إليه وما يتجنّبه، تُظهر الخيط الغليظ بين السينما الجيدة وغير الجيدة في العالم آنذاك

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.