1, الأولى
اكتب تعليقُا

«ألم ومجد» للإسباني بيدرو ألمودوفار

المؤلّف السينمائي الإسباني بيدرو ألمودوفار، من أولئك المخرجين الذين إمّا أن تحبّ أفلامهم (أقول “تحب” ولا أقول “عجبك”) فيزيد انجذابك إليها فيلماً بعد آخر، وإمّا أنّك حيادياً تجاهها فلا يعني لك الكثير نزول فيلم جديد له. وذلك لسبب أساسي هو أنّه يكرّس أسلوبه فيلماً بعد آخر، شكلاً ومضموناً، سرداً وتصويراً.

ضمن ذلك، شارك فيلمه الأخير «ألم ومجد» في المسابقة الرسمية لمهرجان كان الأخير، ونزل في الوقت ذاته في الصالات الفرنسية، ونال، كما يمكن أنت يتوقّع أحدنا، التقييمات النقدية الأعلى في الصحافة الفرنسية، من بين باقي الأفلام المشاركة في المسابقة، وإن لم يخرج بغير سعفة أفضل ممثل لأنطونيو بانديرس، وهذه مهزلة “كانيّة” بالمناسبة، مهزلة ممتدة من العام ٢٠١٦ حين لم ينل فيلمه السابق «خولييتا» السّعفة الذهبية أو أياً من السعفات الرئيسية آنذاك.

يُعدّ «ألم ومجد» امتداداً لأفلامه السابقة من حيث (إضافة إلى ما ذُكرَ أعلاه) الموضوع السيَري، وهو هنا أكثر مباشرة في مقاربة السيرة الذاتية لألمودوفار، إذ يُقدَّم كذلك. أي أنّه لم يبنِ أفلامه الروائية، بقصصها المُتخيَّلة، على مَشاهد وذكريات متفرّقة، وشخوص حقيقية بشكل أو بآخر، من بينها والدته، بأسّس روايته السينمائية على “مقاطعَ” واقعية، بل قدّم الفيلم كلّه كحالة واقعيّة، كفيلم سيَري مباشر يؤدي بانديرس فيه، وهو الشخصية الرئيسية، دورَ بيدرو ألمودوفار المُخرج الإسباني، بآلامه وأمجاده.

الألم لدى ألمودوفار ممرٌ أساس للمجد، وهذا موضوع حاضر في أفلامه، وقد قالتها إحدى شخصياته: “لا بد أن تتألم لتكون جميلاً”. ويحضر الآلم دائماً مرفقاً بالحبّ والعلاقات، هنا، يحضر مرفقاً بالإبداع، إذ يقول سلفادور (أالمودوفار في الفيلم) لطبيبه أنّ الألم يمنعه من الكتابة والتصوير.

فيلم ألمودوفار الأكثر ميلانكوليّة من عموم أفلامه، يقدّم في مراحله الأولى شرحاً طبّياً مفصّلاً للآلام التي يعانيها سلفادور، عضويّة وغيرها، تحديداً في الظّهر والرأس، وهذا ما يبرّر الحالة التي يعيشها والممتدة على طوبل الفيلم، حتى اللقطة الأخيرة بتفسيراتها المفتوحة.

وليست الآلام التي يعاني منها ويحاول مواجهتها بالكوكائين، موضعيّة وحسب، فهنالك الخبر الذي أتاه عن رغبة السينماتيك في مدريد باستضافته مع فديريكو، الممثل الرئيسي لفيلم سابق له، لنقاش يتلو عرض النسخة المرممة. علاقة عاطفية كانت تربطه بفديريكو وقد انفصلا منذ زمن ليؤسس كل منهما حياته، هذا في مدرير وذاك في بوينس آيرس. فيحاول إيجاد مهرب من تلك الاستضافة كي لا يواجه عشيقه السّابق الذي يكتب، إثرها، مونولوغاً أراده أن يكون مسرحيةً وليس فيلم سينما، اسمه “الإدمان” وفيه يبوح بتلك العلاقة، منحه لممثل مسرحي صديق كي يقدّمه على أنّه نَصّه هو. يزور فديريكو مدريد ويزور حيّاً كان يجمعه مع سلفادور، يمرّ بملصق المونولوغ ويدخل لمشاهدته، يعرف أنّ النّص لعشيقه السابق وأنّه هو “بطل” النَّص، يحادث الممثل ويجد طريقَه إلى بيت سلفادون.

يتمحور الفيلم حول ذلك، مُضافاً إليه محاولة سلفادور الدائمة لمراوغة آلامه، الجسدية والنفسية، ليواصل الكتابة وصناعة السينما.

نعرف أنّ ألمودوفار صوّر في أفلام سابقة ذكريات من طفولته، وهو يصوّر ذلك الآن في هذا الفيلم، فهنالم فيلم داخل الفيلم في «ألم ومجد». فكما في فيلمه السابق «خولييتا»، سردَ ألمودوفار حكايته بخطّين زمنايين متوازيين، كأنّ أحدهما يبرّر لآخر أو يشرحه أو يقدّم له إحالات أبدع من زمنه اللّحظي. في «ألم ومجد» هنالك خطان زمانيان، أحدهما في طفولة سلفادور التي تُظهر تعلّقه الشديد بوالدته (وهذه ثيمة أساسية دائماً في أفلام ألمودوفار) كما تظهر بدايات ميوله الفنّية (تجاه السينما والقراءة) والمثلية الجنسية (وهذه كذلك ثيمة أساسية في أفلامه). يتوازى الزمانان على طول الفيلم إلى أن ندرك أخيراً أن المَشاهد من طفولته هي لفيلم شرع في تصويره إثر تخطّيه حالات الألم النفسية والجسدية، وهو تخطّي نسبيّ على كل حال.

الألم إذن هو المعيق الأساسي لحالة الإبداع، وهو حاضر، بهذا المعنى وفي سياقات متنوّعة، في عموم المنجز السينمائي لألمودوفار، وحضر هنا بشكل الأكثر صراحةً، الأكثر تعلّقاً بشخصية ألمودوفار نفسها، مبدعاً سينمائياً أولاً، وطفلاً ثانياً، حيث تأسّست ملامحه النّفسية التي نراها في الفيلم، في زمنه الرّاهن.

وإن أتى الفيلم (Pain and Glory) بالألوان الحيوية الألمودوفاريّة، وهي علامة فارقة له: في الديكورات والملابس، الفنون والموسيقى، الشمس والنظارات السوداء، ودائماً النّساء بحضورهنّ الأساسي في الحكاية، كمخلّصات: والدته وهو طفل وقد أدّت دورها بينلوبي كروز، ومساعدته وهو سينمائي، فإنّ الفيلم لم يخرج للحظة من ميلانكوليّته الآتية من آلامه أولاً، ومن الامتناع عن الكتابة والتّصوير بسبب تلك الآلام.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.