1, الأولى
اكتب تعليقُا

«البروفيسور والمجنون» وتأليف معجم أوكسفورد التاريخي

قد تكون الخدمة الأكبر التي يمكن لأي مؤسسة أو جامعة أن تقدّمها إلى اللغة، هو معجمٌ تاريخي لهذه اللغة، يقدّم سرداً تاريخياً لتطوّر كل مفردة فيه، مع اقتباسات من آداب تلك اللغة، مأخوذة من مراحل تاريخية متعاقبة، متسلسلة. ولا بد لفيلم أراد تناول موضوع كهذا، أي تأليف معجم تاريخي، أن يركّز على عناصر دارمية، غير اعتيادية، يُدخلها أو يسلّط الضوء عليها في حال كانت من صلب الموضوع أو الحكاية، وهذا حال”المجنون” في هذا الفيلم، أو دوره في تأليف المعجم.

الفيلم الذي يعتمد على نجومية بطليه: ميل جيبسون (البروفيسور) وشون بين (المجنون)، سلّط الضّوء على دور المجنون في تأليف المعجم، وهو أمريكي، وبعده يأتي البروفيسور، وهو بريطاني. فيكون العنصر الدرامي هنا أنّ المعجم الضخم تحقّق بفضل مجنون، والمقصود هو بمعجم أوكسفورد التاريخي المكوّن من عدّة مجلدات، وليس المعجم المعروف، فعدد المجلدات في طبعته الثانية التي تحقّقت عام ١٩٨٩ هو ٢٠ مجلداً، في ٢١،٧٢٨ صفحة)، كان ذلك ممكناً إذن بفضل المجنون.

المعجم الذي أتت طبعته الأولى بين ١٨٨٤ و ١٩٢٨، يحكي الفيلم عن تحقيق جزأيه الأول والثاني، مسلّطاً الضوء على دور  الجرّاح في الجيش الأمريكي الموجود في بريطانيا، في مستشفى للأمراض العقلية، وقد ساهم في إنجاز المعجم من هناك، وهذا عنصر درامي يصعب تفاديه سينمائياً. فلم يكن المسؤول عن إنجاز المعجم، البروفيسور، الذي أعطى من سنواته وأيامه له كما لم يفعل أحد، لم يكن هو بطل الفيلم بل أحد بطليه، بل بطله الثاني (كونه، كبطل، ليس فيه ما يميزه درامياً)، إذ ندرك مع تطور الفيلم أن دور المجنون الأمريكي هو الذي يقدّم الانعطافات الدرامية في الفيلم، فتطورات ما نشاهده، يتأثّر مباشرة بسلوك وقول المجنون، هو إذن الشخصية الرئيسية هنا، وهو، لذلك، المؤثّر الأساسي في إنجاز المعجم -حسب الفيلم دائماً- لأن سيرة البروفيسور، وإن لم يكن لديه شهادة مدرسية أو جامعية، كانت أكثر “اطمئناناً” من أن تكون مصدراً لفيلم فيه انعطافات لا بد أن ينتظرها مشاهد الفيلم، ولا يغيّر من ذلك شيئاً حقيقةُ أنّ صورة البروفيسور واسمه يتصدران ملصق الفيلم وعنوانه (خلفه وبعده المجنون). بل الأكثر تأثيراً هي حقيقة أن السيناريو مأخوذ عن كتاب بعنوان «جرّاح كراوثورن… حكاية جريمة، وجنون، ومعجم أوكسفورد الإنكليزي».

يبدأ الفيلم بالجرّاح يلاحق رجلاً، يقتله، يدرك أنّه قتل الرجل الخطأ، وكان ذلك أمام بيت الرجل وزوجته، يُحاكم الجراح، يُدخل إلى مستشفى بعد الحكم عليه بالبراءة بسبب حالته العقلية، هو مستشفى إنّما سجن كذلك والمجنون مكبَّل بالجنازير.

يتقدّم الفيلم بخطين متوازيين متزامنين، فالخط الآخر لما ذُكر أعلاه هو تعيين البروفيسور كمسؤول عن إنجاز المعجم، ومحاولته تأليف فريق لذلك والعمل ليلاً نهاراً على معجمه. فكرت البروفيسور الأساسية لإنجاز أكبر قدر ممكن هو فسح المجال لكل قارئ للإنكليزية في كل العالم (في مستعمرات بريطانيا) أن يضيف إلى صفحات المعجم (وذلك قريب من فكرة “ويكيبيديا” التي نعرفها اليوم)، فيساهم الناس في إيجاد اقتباسات من كتب إنكليزية لكلمات معينة.

على الطرف الآخر، يتلقى الجرّاح -كقارئ نهم- كتاباً هديّة، فيه الرسالة التي كتبها البروفيسور والمطبوعة والمرفقة في كل كتاب يُنشر، فوصلت للجراح كما وصلت كل من يشتري كتاباً، قرأها الجراح ووجد أن علاجه سيكون بذلك، أي بالقراءة ويكون ذلك عمله، فطلب من طبيبه إحضار كل كتبه وأخرى طلبها، وبدأ بالبحث عن الكلمات المطلوبة، وكانت مساهماته أساسية ويعتمد عليها البروفيسور الذي قرر أخيراً زيارته. يزوره في المستشفى ويتحادثان، تتطوّر علاقة الرجلين كصديقين، تتطوّر الحكاية بحالة الذَّنب التي مايزال يعيشها الجراح تجاه زوجة قتيله وأبنائها، وفي لحظة ما ينهار، فيتعطّل قليلاً العمل على المعجم، تتطوّر الحالات ويمضي الفيلم إلي نهايته.

نُفّذ الفيلم (The Professor and the Madman)، تصويراً ومونتاجاً، بشكل “آمن”، كغيره من أفلام هوليوود، وليس في ذلك ما يُلفت، ولعلّها القصّة التاريخية للفيلم هي أهمّ ما فيه، قصّة المراحل الأولى للمعجم التاريخي للغة الإنكليزية، والعنصر الدرامي في هذه القصة، وإن كانت، هنا ولدواعي تحتاجها الأفلام وخاصة الطموحة لتكون جماهيرية وناجحة تجارياً، تركّزت على المجنون من بين الرجلين، أي على الأقل تأثيراً في إنجاز المعجم، إنّما الأكثر إثارة في حكاية تلك المرحلة من إنجاز المعجم.

«البروفيسور والمجنون» من إخراج الإيراني الأمريكي فرهاد سافينيا، ولا يبدو أنّه شارك في مهرجانات وبالتالي لا جوائز أو ترشيحات، وهو فيلم “بوبكورن” عادي، لا أكثر، ولم يشفع له لا موضوعه ولا وجه كل من ميل جيبسون وشون بين على ملصقه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.